فهرس الكتاب
بالثمر، إنه معنى جميل جدا يدل على عمق الفهم والتجربة. إنني اتساءل متى ستقوم دولة الإسلام، ولكن المدة: الله أعلم بها فعلينا أن نعمل لهذه الدعوة وأن نبذل ما في وسعنا من طاقات فكما سمعت منك أن الحواس هي أدوات هامة في التعامل مع الناس (والتفسح في المجلس وأن تصب من انائك في اناء أخيك) وإنني حقا أحفظ كلامك الذي أرجو أن أحوله إلى عمل وحركة.
أسطر إليك خطابي هذا بعد أن طال الافتراق وباعدت بيننا الأقدار .. كل منا في سجنه رغم متعة الحياة الظاهرة لكل عينين .. سجن في داخل النفس .. أتصور نفسي مرات عديدة خلف القضبان واقفا ومن كوة ضيقة مبصرا .. والحياة من حولي تموج بالفتن يردف بعضها بعضا .. الناس أمامي في الطريق إلى المجهول .. ردة إلى الجاهلية ولكن بأسلوب جديد مُقنع بالعلم ومنجزاته .. تدهور في القيم وانحطاط في الأخلاق .. وفساد في العقيدة فإن ناديت بالإسلام فأنا عميل للاستعمار .. وإن دعوت إلى الله فأنا رجعي متأخر .. وإن قلت اتقوا الله أخذت الناس العزة بالإثم .. وحوصرت وحوصر أمثالي في سجن آخر جديد.
فكانت السنة التي أرادها الله فكما قلتم لنا من قبل من لهيب المحنة ينضج الدعاة وتندفع الدعوة.
فإن مبدأكم .. ليس الكبار وحدهم الذين يحبون أن يبلغ إليهم الإسلام في صورته النقية من حيث العمل الجماعي والنهوض بالإسلام .. بل إن القلوب الصغيرة الحديثة العهد بالدعوة .. لأحوج إلى الغذاء .. ليشبوا عليه وطعم الإيمان في نفوسهم .. ونوره في قلوبهم وبشاشته في أرواحهم .. فكانت كتابتك لنا هي المادة الأولى التي تفتحت لها تلك القلوب .. فنحن في أشد الحاجة إليها .. وإلى مراميها العميقة .. وجوها الإيماني التهذيبي المؤثر .. جزاكم الله كل خير .. وزادكم توفيقا وثباتا .. فكنتم هداة لنا نحن الأجيال الناشئة التي تحيط بها العواصف والأعاصير وتنتشر في طريقها الأشواك ..
الرسالة الخامسة
أخي عباس: - دعني أخرج عن عصمتي لأعبر عما في نفسي، في لحظات تتألق فيها نفس الإنسان ليناجي فيها الرحمن يتدبر في آيات الله الملأى في الأكوان، وقفات شعورية بين الفينة والأخرى كالبرق الخاطف كاللمعان، ياليتها تبقى! فهي أساس سمو الإنسان، هى زادنا في رحلتنا مع الله ونحو الله في كل مكان وزمان. ما أحلى تلك اللحظات التي يرسل فيها المسلم روحه كي تنطلق بين يدي ربه، هل هي أمل أم حساب أم حب أم تدبر أم كل ذلك معا؟! لكن فيها يحى القلب وتنطلق الأحزان. ما أجمل أن نخرج من قيد الدنيا، نتحرر من كل قيود الشيطان.
ياليت هذا الشعور الأخوي لا يفتر وليت كل تلك الدفقات تبقى متصلة، كي لا تترك الدنيا في أي صورة من صورها مسيطرة على القلب والوجدان.
أخي الحبيب عباس: - كنت عندما أقرأ للإمام البنا في كتاب نظرات في القرآن أشعر بالدفء الأخوي يملأني، كم كنت أسعد عندما أقرأ اللفتات في كثير من الآيات التي لم ألتفت إليها رغم مروري عليها وقراءتها كثيرًا من المرات. أعجبت بحسن البنا وبأسلوبه.