فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 110

الشعور وبنفس الإحساس ... خلوت بها قراءة وتدبرا لأن لغة الكتابة لا يدرك سرها إلا بما يتلألأ من أعماقها كما لا تعرف الحاسة إلا بتلك التوهجات المضيئة ولا تبدو تلك التوهجات قوية مؤثرة إلا حين يشتد الظلام ويشتد البعاد وتتباعد البلاد. بهذا الفهم وبهذا الشعور قرأت كتابك فتأثرت جدا حتى وضعته أمامي كي أعود إليه لأتنفس من عباراته عبيرا يهزني ويفرحني ويعزيني عن هذا الفراق الذي طال وكم كنت حزينا لأني لم أسعد بالجلوس معك طويلا في رحلتى الأخيرة.

وأذكر يا أخي الحبيب - حكاية لن أنساها ولعل فيها الإجابة الصحيحة على ما قدمت من سطور - حين ألقيت في زنزانة وحدي بالسجن الحربي لمدة شهرين - لم يتوقف عقلي لحظة عن التفكير المتلاحق - فيما سيأتي به القدر - لقد كنت أتوقع (الإعدام) بمنطق الطغاة. فالقضية كانت خطيرة - وفي الوحدة والقلق والاضطراب والخوف والفزع مما يدور حولنا يعود الانسان دائما إلى الماضي ولا يرى من حياته إلا المعاصي والذنوب ونادرا ما يتذكر عملا صالحا قدمه بين يديه.

كنت أتصور أنني سوف أموت فاقول لنفسي وكيف أموت شهيدا وذنوبي كثيرة وهل يقبل الله مثلي في عداد الشهداء وتروادني نفسي. فتقول لي وكيف أموت وأترك هؤلاء الإخوة الذي يشتعل قلبي بهم حبا وهياما وأنا لا أستطيع أن أفارقهم لحظة!؟ ثم تقول لي نفسي أيضا ولماذا لا أعيش حتى أرى مواكب الدعوة وهي تنتصر وأعلامها ترفرف على ربوع العالمين!؟.

فأنا أريد أن اموت شهيدا حتى أتخلص من موقف أو مواقف الحساب العسير بين يدي الله تعالى. وأرى ان ذنوبي الكثيرة لا ترشحني لهذا المقام العظيم - فأقول لنفسي وإذا قضى ربك أن تكون شهيدا - أليس معنى هذا أن الله تعالى قد صفح عنك وغفر لك ذنوبك!؟.

هواتف نفسية أحاطت بي من كل جانب.

ثم شاء الله تعالى - أن تأخذني سنة من النوم - ويأتيني شاب لطيف من هؤلاء الذين أحبهم في صورة مفرحة تشرح الصدر - وقال لي: مالي أراك في حيرة وبلبلة!! ألست تريد وتتمنى أن تقضي شهيدا؟ ألست تتطلع إلى أن تعيش مع إخوانك الذين تحبهم؟ ألست تريد أن تعيش حتى ترى أعلام الإسلام ترفرف على ربوع العالمين؟ قلت نعم كل هذا هو الذى أنشده وأتمناه - قال: إذن فلتكن الشهادة - فان الشهيد حي لا يموت - وسوف تغفر لك ذنوبك - وسوف تلتقي بإخوانك الذين تحبهم إخوانا على سرر متقابلين وسوف ترى مواكب الدعوة وهي تحقق النصر للمسلمين ألم تقرأ قول الله تعالى (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما ءاتهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم .. ) فاستيقظت على أعظم بشرى في هذا الوجود ومنذ ذلك الحين وأنا أنشد هذه الأمنية الشهادة في سبيل الله ليتحقق لي كل هذا - اللهم آمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت