فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 110

إسمك إسم حبيب يجذب كل قلب قبل أن يراك. فإذا رآك تعطرت الصورة بأريج منعش وعاطفة تهز الوجدان - قد يخفي الإنسان هذه الجواذب وهذه الموصيات يخفيها حياءً ويكتفي بهواتفها ويبقى الشعور بالحب دفينا، يتناسى ولا ينسى - يغمض عينيه كأنه نائم وأنى له أن ينام، يتحدث ويكتب ويظنه الناس في شغل شاغل وما هو إلا طير سابح حول هذا القلب. فالحب طاقة فوق تصور الإنسان. إن أي تعبير مهما سما في معناه لن يحقق الهدف في مرماه.

عجبت لأمرك كيف التقطت كل هذه المعاني وتذوقت طعم النظرة والضربة .. كثير لم يدرك تلك اللمحات لأنهم يفقدون حاسة الاستشعار أعتقد أنه لا بد في أول الطريق إلى القلوب. أن نعمل على إيقاظ الحواس فإن ذلك يعين على فتح أبواب القلوب. ويكون بذلك المدعو في وضع الاستعداد للتلقي - تلقي الكلمة والهمسة والإشارة - (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا) وأعتقد أيضا أن هناك (أمية) في سلوك الحواس وثقافتها. فإن حضارة المسلم تتمثل في نبوغ القلب والحواس والعقل. (وإنك لعلى خلق عظيم) .

الرسالة الثامنة

أخي الحبيب

وصلتني رسالتك تحمل أريج عاطفتك النبيلة. خط جميل. وكلمات مسطورة بين هوامش في ذوق رفيع. أسلوب متسق يغري بالمتابعة المشبعة. قرأتها بشغف ونهم، فقد ترقبتها بشوق ولهفة - لأستروح من كلماتها العذبة راحة لنفسي، أستشف من معانيها شفاء، فالبعد يزيد من الأشواق ويلهب المشاعر، فالبعد ينهض بكوامن القلوب وإشعالها وتحريك سكونها. وكما قيل فإن ركود الماء يفسده .. فكم قاسيت من الغربة وتعذبت بها .. ومع هذا فقد صنعتني صناعة جديدة وفريدة تعلمت من الغربة أن أعتمد على نفسي - واكتشفت أغواري المستكنة ومذخور طاقاتي المدفونة التي كنت أعتمد فيها على غيري. تعرفت على كثير من الناس. فتعلمت كيف أعايشهم وأدخل في قلوبهم - أقترب منهم بحلو الحديث - وأبتعد عنهم فيما لا يعنيني. عرفت الكثير وهم لا يزالون يعيشون في ذاكرتي بل في قلبي.

الرسالة التاسعة

أخي وابني الحبيب

ما وجدت في هذه الحياة أكرم ولا أعظم من الوفاء. فهو نادر، وقليل هؤلاء الذين سعدوا بهذه المنحة الربانية فأنعشوا القلوب وأثلجوا الصدور. عدت إلى منزلي متأخرا مجهدا فاستقبلتني رسالتك فتلهفت عليها بأشواق حارة. فلم أكن أتوقع ما وقع في قلبي. لقد جلست معك مرات وتحدثت إليك في مناح شتى وأنت صامت. ولكني كنت أستشعر في حديثي معك سعادة تضيء جوانبي. إنه شعور ينطق بالحق الذي يغمرني ويكسوني لولا هذا السياج الوهاج.

لماذا لا تفصح؟ لماذا لا تنطق؟ لماذا كل هذا الصمت والقلوب تشتعل والأرواح تحلق! هكذا جاءت رسالتك متوهجة .. لقد قرأت كل كلمة بإمعان وتدبر وأدركت من فقه الحواس مدى ما تتمتع به من صدق العواطف المتألفة. وما أعطيت من جمال التعبير وأدب اللغة. وأدركت من سمو تعبيراتك مستوى استقبالك لهواتف القلوب ورسائل العيون ودقة إحساسك بالهمسات الدقيقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت