فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 110

لقد تعاملت مع رسالتك كأنك تجلس معي صامتا. ولكني لم أكن كذلك. كنت أتذوق كل هذه المعاني وأرتشف رحيقها. وإن كان الصمت أسلوبا بليغا راقيا ورائعا - كما تعايشت مع القلوب وتعذبت بها حين تناءت في أرض الله الواسعة ولا تزال تعذبني - لأن الحب في الله تعالى لا يتوقف عند حد بل تشتد وتزيد إنه فوق المقاييس التي يتعامل بها الناس في هذا الزمان. ترى لو أني صارحتك بما ذكرت في رسالتك من تلك النفحات الغالية - ترى لو أني ذكرت لك شعوري منذ سعدت بزيارتك الأولى. لو أني قلت لك ما دار في عقلي وقلبي - لو أنك سمعت دعواتي وتجسمت لك أشواقي .. لقد فتحت مغاليق كثيرة وكشفت بها عن منجم من القيم والفضائل. التي أرجو أن تحملك على الاستفادة بها في ميادين النفوس البشرية التي تتطلع إلى أمثالكم لتحملوها إلى ميادين الطهر والعفاف إلى ميدان الروح فإن العواطف الندية تتسرب إلى القلوب كما تتسرب المياه الجوفية في أعماق الأرض ثم تنبثق في أماكن أخرى فتكون الواحات الناضرة وتظهر آثارها بهجة للعيون ومتعة للأرواح.

الرسالة العاشرة

أخي وإبني الحبيب

ليس خطابك وحده هو الذي أسعدني وأشجاني. ولكن هناك بُعدٌ آخر له أثره الكبير في نفسي. ذلك أن الوفاء بالغ الأهمية والتأثير على النفس .. إن مجرد أن تذكرني بالمراسلة أو الدعاء. ثم تُذكرني بأول لقاء - ثم تزورني على بعد المسافات وفي مثل هذه الظروف التي تحيط بنا. كل هذا أجدُ له في ميزان قلبي قدرا هائلا من التقدير فضلا عن الحب الذي جمع الله به قلوبنا .. لقد فكرت في هذا المعنى طويلا. فوجدت أن الإنسان يمكن أن يتعرف على إنسان آخر .. فتكون جلسة أو لقاء ثم لا شيء بعد ذلك على الإطلاق. فتموت البذرة في تربة القلوب فلا تنبت لها جذور ولا تؤتي ثمارها.

فانظر أخي الحبيب كيف كانت نظرتك حين رأيتك لأول مرة فأفسحت لك مكانا في قلبي هفوت إليك بروحي، أحطتك بعواطفي ومشاعري. ولكن لم يأن لقلبك أن يتحرك ومشاعرك أن تصحو وأحاسيسك أن تتنبه!!

ولا يمكن أن تدرك أثر ذلك على نفسي .. ولكن ماذا يمكن أن أفعل في مثل تلك المواقف الحرجة، لابد أن أجمع شتات نفسي وألملم أحزان شعوري فربما أكون قد تجاوزت الحدود المناسبة دون أن أدري وأحاسب وانتبه.

وشاء الله تعالى أن يأتي الظرف والوقت المناسب. ففتح الله تعالى أمامي المغاليق والعوائق وأشرق في قلبينا نور الحب الذي أضاء لنا السبيل. لقد صحوت أخي الحبيب صحوة مشتعلة، أدركت بعدها الفرق بين الماضي والحاضر بين الموت والحياة - لقد صحوت بكل مشاعرك ثم بدأت تعاني مثلما كنت أعاني وفتحت لك تلك الحادثة آفاقا واسعة من أبواب الحب في الله تعالى. لقد قرأت لك بعدها كلمات نادرة حين قلت (لقد كنت تخرج من المدرسة إلى مدرسة مجاورة كي تنظر إلى إخوانك فقط كما كنت تفعل ذلك حين تذهب إلى المسجد وانطلقت في ميدان الدعوة بقلب جديد ومشاعر فياضة بالحب والخير. وهكذا العاطفة الحية ترف ولا تجف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت