فهرس الكتاب
الرسالة الخامسة والعشرون
أخي الحبيب
لقد عشت مع نفسي على انفراد فترة طويلة - عشت بعضها مع بعض الكتب وبعضها مع الخواطر .. فرأيت أن أتحدث إليك بهذه الرسالة استشعارا مني بوجودك معي حين طال غيابك عني، وشعوري هذا هو الحقيقة التي قد تغيب عنك وعن بعض من أحب. أتمني لو تتكشف لهم حتى يتذوقوها - وهو شعور يتيم بعد أن تركت ورائي هذه القلوب الحبيبة. لقد بدأت أحس بالوحشة وأتنسم على البعد عبير هذه المشاعر الندية التي عشت في رحابها ونعمت في ظلال حبها .. إنني أتحسس طريقي على صدى هذا النغم الحلو وهذا النشيد العذب عساي أجد الواحة الظليلة والقلوب الكبيرة التي تضمد الجراح وتخفف الآلام وتواسي الأحزان وتمسح على جبين المعاناة. لأن القلوب المؤمنة ترى من صميم العقيدة أن تسعد الناس بالسعادة التي منَّ الله تعالى بها عليها، فلا يستريح له بال ولا يطمئن له خاطر حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه - إنه يتمنى أن يتذوق الناس جميعا طعم هذه الحلاوة. فهو يتلطف في حديثهم ويتودد بقلبه إليهم ويبذل من ذاته وجهده ووقته ليصل إلى قلب تزداد به كتيبة الإسلام قلبا جديدا.
الرسالة السادسة والعشرون
أخي الحبيب
في رسالتك الكريمة تسألني سؤالا وتطلب مني أن أجيبك عنه في صراحة ووضوح لأنك تعلم يقينا أهمية هذا الموضوع ولزوم صدق التعبير عن مكنون نفسي وشعوري وتذوقي حين إجابتي عن هذا السؤال.
وحين قرأتك وأنت تسأل [أيهما أولي بحبك من تحبه أو من يحبك؟] شعرت في الحال كأني في لجنة امتحان آخر العالم. فالسؤال مفاجأة لم أكن أتوقعها ولكني استجمعت قواي الروحية لتواجه تلك المفاجأة التي أدهشتني كي أرد عليها بنفس العاطفة ونفس الشعور. إذ أن هذا السؤال وارد ولكنه مستور في أعماق النفس والشعور، حيث أن فلسفة الحب في الله لم تكشف أسرارها وأغوارها النفسية بالبحث والصراحة في حركة الدعوة الإسلامية التي تأسست على العقيدة واشتعلت بالحب وانتصرت بالجهاد والصبر.
فالإجابة على سؤالك ليست سهلة لأنها ليست عملية حسابية تنضبط بأرقام ولكنها في الصميم عملية قلبية تتعامل بالأحاسيس والعواطف والمشاعر فإذا كان حبك ينصب على الشخص الذي تحبه دون سواه، فهو حب ذاتي لا يرقى إلى مستوى الحب في الله - لأن الحب في الله حب جماعي - (إنما المؤمنون إخوة) صحيح أن الحب يبدأ بالفرد على أساس دعوة. فالواجب أن تحب على مستوى الطرفين ثم على مستوى جذب الأفراد من تحبه ومن يحبك. وأن تحب من لا يبدي لك حبه حتى يحبك (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودةً والله قديرٌ والله غفورٌ رحيمٌ) لأن دعوتنا تجمع وتبني. فمن أجل نصرة الدعوة يكون حبيبُ الحبيبِ حبيبا - ومع هذا فقد تحب إنسانا بصدق الحب ولكنك لا تدري موقعك في قلبه!
"أنت الحبيبُ ولكني أعوذ به من أن أكون محبًا غير محبوب"