الصفحة 64 من 73

فأبرز فضله حقًا عليهم ... برزت لناظرها السماء

وهل تخفى السماء على بصير ... وهل للشمس طالعة خفاء

فلما أنشده أمية هذه الأبيات كانت عنده قينتان فقال لأمية: خذ أيتهما شئت فأخذ إحداهما وانصرف. فمر بمجلس من مجالس قريش فلاموه على أخذها وقالوا لقد أجحفت به في انتزاعها منه فلو رددتها عليه، فإن الشيخ يحتاج إلى خدمتهما، لكان ذلك أقرب لك عنده وأكرم من كل حق ضمته لك فوقع الكلام من أمية موقعًا وندم، فرجع إليه ليردها عليه، فلما أتاه بها قال له ابن جدعان: لعلك إنما رددتها لأن قريشًا لاموك على أخذها، وقالوا لك كذا وكذا ووصف لأمية ما قال له القوم فقال أمية: والله ما أخطأت يا أبا زهير مما قالوا شيئًا. قال عبد الله: فما الذي قلت في ذلك؟ فقال أمية:

عطاؤك زين لامرئ إن حبوته ... يبذل وما كل العطاء يزين

وليس بشين لامرئ بذل وجهه ... إليك كما بعض السؤال يشين

فقال له عبد الله خذ الأخرى، فأخذهما جميعًا وخرج، فلما صار إلى القوم بهما أنشأ يقول:

ذكر ابن جدعان بخ؟ ... ير كلما ذكر الكرام

من لا يجور ولا يعق ... ولا يبخله اللئام

يهب النجيبة والنجيب ... له الرجال والزمام

دخل يزيد بن معاوية على أبيه فوجده مطرقًا فقال: يا أمير المؤمنين ما هذا الأمر الذي أشجاك؟ قال: أمر أمرضني وأقلقني منذ اليوم، وما أدري ما اعمل فيه قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا الفاسق أبو دهبل كتب إلى أختك عاتكة بهذه الأبيات:

أعاتك هلا إذ بخلت فلم تري ... لذي صبوة زلفى لديك ولا حقا

رددت فؤادًا قد تولى به الهوى ... وسكنت عينًا لا تمل ولا ترقا

ولكن خلعت القلب بالوعد والمنى ... ولم أر يومًا منك جودًا ولا صدقًا

فواكبدي إذ ليس لي منك مجلس ... فأشكو الذي بي من هواك وما ألقى

وأكبر همي أن أرى منك مرسلًا ... وطول النهار جالس أرقب الطرقا

رأيتك تزدادين للصب غلظة ... ويزداد قلبي كل يوم لكم عشقًا

فلم تزل باكية منذ اليوم قد أفسدها الخبيث فما ترى فيه؟ قال: والله يا أمير المؤمنين إن الشأن فيه لهين قال: وما هو؟ قال: عبد من عبيدك يكمن له في بعض أزقة مكة فيريحنا منه. فقال معاوية: أُفٍ لك، والله إن امرءًا يريد بك ما يريد ويسمو بك إلى ما يسمو لغير ذي رأي.، فأنت قد ضاق ذرعك بكلمة، وقصر فيها باعك، حتى أردت أن تقتل فيها رجلًا من قريش. أو ما تعلم أنك إن فعلت ذلك صدقت قوله وجعلتنا أحدوثة أبدًا. قال: يا أمير المؤمنين إنه قال قصيدة أخرى تناشدها أهل مكة وسارت حتى بلغتني فأوجعتني وحملتني على ما أشرت فيه قال: وما هي قال:

حمى الملك الجبار في لقاءها ... فمن دونها تخشى المتالف والقتل

فلا خير في حب يخاف وباله ... ولا في حبيب لا يكون له وصل

فواكبدي إني سهرت بحبها ... ولم تك فيما بيننا ساعة بذل

ويا عجبًا إني أُكاتم حبها ... وقد شاع حتى قطعت دونها السبل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت