فقال معاوية: قد والله رفهت عني فما كنت آمن أن يكون وصل إليها، فإما وهو يشكو أنه لم يكن بينهما وصل ولا بذل فالخطب أيسر علي، قم عني واكتم ما كان. فقام يزيد وانصرف. وحج معاوية في تلك السنة، فلما انقضت أيام الحج كتب أسماء وجوه قريش وأشرافهم وكتب فيهم اسم أبي دَهْبَل، ثم دعاهم ففرق في جميعهم الصلات السنية، وأجازهم الجوائز الكثيرة فلما قبض أبو دهبل جائزته وقام لينصرف، دعا معاوية إليه فقال له: يا أبا دهبل مالي أرى أبا خالد يزيد بن أمير المؤمنين عليك ساخطًا في قوارص ثابتة عنك، وشعر لا تزال قد نطفقت به وأُنفذ إلى خصمائنا وموالينا؟ لا تعرض لأبي خالد، فجعل أبو دهبل يعتذر إليه ويحلف أنه مكذوب عليه. فقال له معاوية: لا بأس عليم وما يضرك هذا عندنا، هل تأهلت؟ قال: لا. قال: فأي بنات عمك أحب إليك قال: فلانة. قال: قد زوجكها أمير المؤمنين وأصدقها عنك ألفي دينار وأمر لك بألف دينار. فلما قبض قال: إن رأى أمير المؤمنين أن يعفو لي عما مضى فإن نطقت ببيت في معنى ما سبق مني فقد أبحت به دمي وفلانة التي زوجنيها أمير المؤمنين طالق البتة. فسرّ بذلك معاوية، وضمن له أن يرضي يزيد عنه، ووعده بإدرار ما وصله به كل سنة وانصرف إلى دمشق، ولم يحج معاوية في تلك السنة إلا من أجل أبي دهبل.
خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه يطوف ليلة بالمدينة، وكان يفعل ذلك كثيرًا، فمر بامرأة من نساء العرب مغلقة عليها بابها وهي تقول:
تطاول هذا الليل واسود جانبه ... وأرقني أن لا خليل ألاعبه
فوالله لولا لا شيء غيره ... لزعزع من هذا السرير جوانبه
وبت إلا هي غير بدع منعمًا ... لطيف الحشا لا يحتويه مصاحبه
يلاعبني فوق الحشايا وتارة ... يعاتبني في حبه وأعاتبه
ولكنني أخشى رقيبًا موكلًا ... بأنفسنا لا يستريح مراقبه
ثم تنفست الصعداء وقالت: أهان علي بن أبي طالب وحشتي في بيتي وغيبة زوجي عني؟ فقال عمر: يرحمك الله وأين زوجك؟ فقالت له: في بعث كذا، فكتب في الوقت بقفوله عليها وبعث إليها بنفقة وكسوة.
كان لسليمان بن عبد الملك مؤذن يؤذنه في قصره بأوقات الصلاة، فجاءته جارية له مولدة فقالت: يا أمير المؤمنين إن فلانًا المؤذن إذا مررت به لم يقلع بصره عني، وكان سليمان أشد الناس غيرة، فهم إن يأمر بالمؤذن. ثم قال تزيني وتطيبي وامضي إليه فقولي له إنه لم يخف عني نظرك إلي، وبقلبي منك أكثر مما بقلبك مني، فإن تكن لك حاجة فقد أمكنك مني ما تريد، وهذا أمير المؤمنين غافل، فإن لم تبادر وإلا لم أرجع إليك أبدًا. فمضت إلى المؤذن وقالت له ما قال لها، فرفع طرفه إلى السماء وقال: يا جليل أين سترك الجميل، ثم قال: اذهبي ولا ترجعي، فعسى أن يكون الملتقى بين يدي من لا يخيب الظن. فرجعت إلى سليمان وأخبرته الخبر فأرسل إليه. فلما دخل على سليمان قال له الحاجب: إن أمير المؤمنين رأى أن يهب لك فلانة ويحمل إليك معها خمسين ألف درهم تنفقها عليها، قال: هيهات يا أمير المؤمنين إني والله ذبحت طمعي منها من أول لحظة رأيتها، وجعلتها ذخيرة لي عند الله، وأنا أستحي أن أسترجع شيئًا ادخرته عنده. فجهد به سليمان أن يأخذ المال والجارية فلم يفعل، فكان يعجب منه، ولا يزال يحدث أصحابه بحديثه.
حكي عن المأمون أنه قال: حججت فلما صرت بصور أحببت أن أدخل دير المجانين فأرى من فيه منهم، فدخلت فرأيت فيهم شابًا حسن الوجه، نظيف الثوب، فسلمت عليه فقال: هل تحسن النحو؟ قلت: أحسن منه ما أصلح به لساني. قال: فهل تروي الشعر؟ قلت: نعم، قال فأنشدني فأنشدته لأبي العتاهية:
أذاب الهوى جسمي ولحمي وقوتي ... فلم يبق إلا الروح والجسد النضو
رأيت الهوى جمر الغضا غير أنه ... على كل حال عند صاحبه حلو
فخر مغشيًا عليه، فسألته عن قصته فعرفت أنه من بني تميم هوي ابنة عم له وهويته، فسعي بينهما حتى نزعت منه فوسوسا جميعًا. وها هي في الدير الآخر، فمضيت حتى دخلت عليها فلما رأتني تنفست الصعداء ثم قالت: إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون فسألتني من أين أقبلت؟ فقلت: من الدير وعرفتها حال الفتى فبكت ثم قالت:
أما والذي لو شاء لم يخلق النوى ... لئن غبت عن عيني لما غبت عن قلبي