الصفحة 217 من 752

ولسنا ندري كيف يصح اتهامه بذلك وروايته في الفتنة وحديثه جرى بين الصحابة رضوان الله عليهم أبعد ما يكون عن أسلوب الزنادقة ، وكيف يستقيم اتهامه بالزندقة وهو الذي فضح وهتك سر الزنادقة ! ويمكن القول: إن رواية سيف بعيدة كل البعد أن تضعه موضع هذه التهمة ، بل هي تستبعد ذلك ، إذ إن موقفه فيها هو موقف رجال السلف في احترامه للصحابة وتنزيهه لهم عن فعل القبيح ، فقد انتحى جانبًا عن أبي مخنف والواقدي فعرض تسلسلًا تاريخيًا ليس فيه تهمة للصحابة ، بل يُظْهِر منه حرصهم على الإصلاح وجمع الكلمة ، وهو الحق الذي تطمئن إليه النفوس ، إذ يسير في اتجاه الروايات الصحيحة عند المحدثين .

وإذا كان المحدثون يتساهلون في الرواية عن الضعفاء إن كانت روايتهم تؤيد أحاديث صحيحة موثقة ، فلا بأس إذن من الأخذ بهذا الجانب في التاريخ وجعله معيارًا ومقياسًا إلى تحري الحقائق التاريخية ومعرفتها ، ومن هذا المنطلق تتخذ الأخبار الصحيحة قاعدة يقاس عليها ما ورد عند الإخباريين مثل سيف والواقدي وأبي مخنف ، فما اتفق معها مما أورده هؤلاء تلقيناه بالقبول ، وما خالفها تركناه ونبذناه .

ومما لا شك فيه أن روايات سيف في أغلبها مرشحة لهذه المعاني ، إذ تتفق وتنسجم مع الروايات الصحيحة المروية عن الثقات فيما يتعلق بوجود ابن سبأ علاوة على أنها صادرة ومأخوذة عمن شاهد تلك الحوادث أو كان قريبًا منها .

أما وصف سيف بالتحيز فأمر غير صحيح ، إذ أن تعصب سيف المزعوم ترده أحوال قبيلته بني تميم وموقفها من الفتنة ، فمن المعروف أنهم ممن اعتزل الفتنة مع سيدهم الأحنف بن قيس يوم الجمل [37] ، وبالتالي فإن روايته للفتنة تشكل من خلال مضمونها على العموم مصدرًا حياديًا ومطلعًا في آن واحد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت