أعنى أن رسالات الله حيثما ظهرت كانت من الكمال بالقدر الذى يملأ على الإنسان أقطار نفسه وحسه، فلا يتطلب وراءها مزيدا. في عصر التوراة كانت النصائح التى نزلت على"موسى"بحسب الناص يومئذ: (وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها) . وعندما صعدت الإنسانية في مدراج النضج الفكرى، واتسعت آفاقها العامة جاء القرآن الكريم في أسلوب أعمق وأرحب، واتخذ فيه الحديث عن الله وعن الدار الآخرة صورا من البيان العالى والإقناع العلمى تطرد مع ما يبلغه الناس آخر الدهر من ذكاء وإحاطة. وتضمن كذلك من القواعد والأحكام مالا حاجة للناس بعده إلى إضافة أخرى تصلح بها النفوس أو المجتمعات أو الدول: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) وعندما نتأمل في الآيات التى أمرت بالدعوة إلى الله ، نجدها أبرزت الخصائص التى تقترن بطبيعة الدعوة، وتناولت الأحوال التى تلابسها من قتل خصومها، وواضعى العقبات أمامها. فالدعوة إلى الله حق ، وكل دعوة إلى غيره باطل . ومنهجها مستقيم ، وكل منهج وراءها معوج . وهى تقوم على العقل والهدى، وغيرها يقوم على الحمق والهوى. وفي قوله تعالى: (فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله) . نرى أن الدعوة إلى الله طريق مأنوسة ، لم يفتتحها محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، إنما مشى فيها على أعقاب من سبقوه من إخوانه المرسلين الذين أوحى لهم الله: (أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه) . ص _015