الصفحة 11 من 404

وأن معالم هذه الدعوة لا ترسمها اجتهادات الأنبياء، ولا تنبع من فلسفات فكرية خاصة، بل هى توقيف من الله وتمش مع أمره، وأن البعد عنها هو ميل مع الشهوات واتباع للضلالات . وفى قوله: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني …) . ترى أن الدعوة ليس فيها ما يخفى، وأنها لا تضم جوانب تحجب عن البعض وتباح للبعض الآخر. إنها واضحة مكشوفة للعامة والخاصة، مستعلنة بكل دقيق وجليل فيها. وأن نداء البشر إليها قوامه البصر والمنطق والصدق، ودعامته الدليل الذى لا يقهر، ولا تنال منه الشبهات . وفى قوله: (لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم) . ترى الوصاة بالمضى في الدعوة دون اكتراث بنزاع المخالفين، ولجاجتهم. فإن الذى وفق إلى الهدى المستقيم لا ينبغى أن يهتم لمعارضة الذين حرموا الهداية والاستقامة. وهكذا يتكرر الأمر بالدعوة في سائر الآيات . فترى أن الإقناع بها يجب أن ينهض على الحصافة وإحسان العظة والاحتجاج. وأن الدعاة هم أصدق الناس قيلا ، وأشرفهم طريقا . وأن عملهم المستمد من وحى الله إنما هو تيسير لأسباب السلامة في الدنيا والآخرة، وإطفاء للفتن العاجلة والآجلة . وثمرة الجهاد الطويل للدعاة إلى الله هى من حظ الناس وحدهم . فالله غنى عن عباده . والرجال الكرام من أنبيائه لا يرتقبون من الناس شيئا لقاء عملهم . إن هذا النداء المتكرر على ألسنة المرسلين ليس إلا مظهرا من رحمة الله العامة وعطفه على المعلولين والحائرين . إن الأم إذا لم تنتعش برسالات السماء ، فهى جماهير من موتى القلوب ، أو هى ألوف من الرمم الهامدة ، وإن حركتها الغرائز السافلة . ص _016

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت