الصفحة 136 من 404

وإنما الذى يلفت نظر الباحث في حياة بطل الأبطال ، هو ذلك الجمع الغريب بين النسك الذى يبلغ أرقى مراتب التعبد ، وبين القيام على أمور الدنيا التى كان يعيش فيها بكده ، ويَعُول كثيرا من الأهل والفقراء ، ويناضل أمما بأكملها ، ويسوس دولة فتية في وجه العالم . يوفد إلى الملوك ويدعوهم ، ويستقبل الوفود ويكرمهم ، ويبعث السرايا ويقودها ، ويجادل من حوله من أهل الأديان وأهل السلطان ، ويهىء للنصر ، ويحتاط للهزيمة ، ويبعث العمال ، ويجبى الأموال ويقسمها بنفسه ، ويقول: إن لم أعدل فمن يعدل ؟ ويشرع للناس دين الله فيفصل المجمل من الوحى ، ويوضح الغامض ، ويرسُم السنن ، فيخرج من الأصل فروعه ، ويرد ما لم يطلعه الله عليه إلى ما أطلعه الله عليه . وهو ـ في كل ذلك ـ يؤدى العمل اليومى الذى ينوء به أبطال هذه الدنيا . وبين هذه الهموم والمشاغل يتجلى"محمد"ـ صلى الله عليه وسلم ـ الناسك العابد بالليل والنهار أعظم انقطاعا إلى الله ممن انقطعوا إليه في رءوس الجبال . ذلك الجمع بين الدين والدنيا يجعل من بطل الأبطال صلى الله عليه وسلم ، مثلا قائما بنفسه في تاريخ البشرية ، مثلا منقطع النظير . كان يقسم يومه ، جزءا للعبادة ، وجزءا للناس ، وجزءا لأهله . فإذا طغى ما للناس انتقص من الوقت الذى هو لأهله ، واحتفظ بما هو لله . وقد واظب على ذلك مواظبة لا نظير لها تستحق مزيد الإعجاب من أنصاره وخصومه على السواء . فقد كان مثلا من أمثلة الجد الكامل ، والتوجه الخالص . إذا انصرف للعبادة انصرف بجملته ، وإذا قام بعمل آخر لم يفتر عنه حتى يتمه . وقد أجمع مؤرخوه من أهل الملل المختلفة على أنه كان يعطى العمل الذى يشغله كل حسه وكل قلبه . وكان ذلك يتجلى في علاقته بالناس . فما حدثه أحد إلا التفت إليه بوجهه وجسمه ، وأصغى إليه تمام الإصغاء ، ولا يقطع الحديث حتى يكون المتكلم هو الذى يقطعه . ص _143

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت