فهرس الكتاب
ذلك الجد الذى يلازم النفوس المؤمنة ، هو سر النجاح في كل الأعمال ، سواء أكانت للدين أم للدنيا ، وفيه كان بطل الأبطال صورة صادقة منيرة لأصحابه وتلاميذه . بل ذلك المثل من الجد في كل شىء ، هو الذى أنجب ـ ممن صحبه ـ أكبر رجال الدولة ، وسواس الأمم . فجعل من رعاة الإبل والغنم ومن صغار الزراع والتجار خلفاء كسرى و"قيصر"يعلمونهما ما فاتهما من العدل والإحسان"أ. هـ . * * * على أننا في عصر يمتاز بالتخصص العلمى . وتكثر فيه ألوان الثقافة كثرة يصعب استيعابها على ذهن واحد مهما بلغ من المضاء والإلتماع . حتى إن الطبيب يتوفر على دراسة عضو واحد من أعضاء البدن ، لأن الإحاطة بعلوم الجسم كله أضحت مستحيلة . فإذا استبحرت المعارف على هذا الاتساع البعيد جاز أن يختص فريق من العلماء بدراسة الدعوة إلى الإسلام فحسب . وأن يستكمل ـ لهذا الاتجاه وحده ـ ما يتطلبه من ثقافة معينة ومن دربة خاصة. وجاز لنا أن نسمى أولئك الذين كرسوا حياتهم لهذا الغرض"دعاة إلى الله". وربما توزع الأصحاب والتابعون على وظائف الرسالة بما يشبه هذا الاختصاص . فمنهم من عنى بسياسة الحكم ، ومنهم من عنى بالقضاء ، ومنهم من عنى بالجيش ومنهم من اشتغل بالتعليم والتربية . وإن كانوا ـ رضوان الله عليهم جميعا ـ لم يقصروا قيد أنملة ، وإن تنوعت مناصبهم العملية ، في حراسة الحقيقة الدينية العامة ، وأداء واجب الدعوة والأمر والنهى . فلنقبل إذن الواقع الذى تحسنه ظروف كثيرة ، ولنسم أولئك المتخصصين من قدامى ومحدثين"دعاة إلى الله". وكل ما نشترطه في المنتصبين لحمل هذه الأمانة أمران: أولهما: جودة المعرفة بأصول الإسلام وفروعه ، حتى إذا درسوه للناس نقلوا إليهم حقائق الرسالة كاملة ، فعلم الناس منهم أن الإسلام ليس صلة تربط الناس بربهم في ساحة المسجد فقط حتى إذا خرجوا منه وهت وتلاشت ، كلا .. إنه صلة قائمة توجه المؤمن في شئون حياته كلها ، وتقيم المجتمع"