فهرس الكتاب
وبذلك يجىء نصحه طبا للمريض ، ورحمة تذهب عناءه ، ونورا يهديه السبيل . والقدرة على هذا الأسلوب لا يلقاها إلا من استجمع: 1ـ ثروة طائلة من نصوص الكتاب والسنة تكون رصيدا عنده لأى داء وافد أو مرض عارض . 2ـ إحاطة تامة بطبيعة البيئة ، وأحوالها الجلية والخفية ، وظروفها القريبة والبعيدة. فإن الداعية الحكيم هو الذى يبلغ رسالته بتلك الطريقة . فيسوق من الوحى الإلهى ما يقوم العوج الإنسانى بلباقة وفقه . ويرسل من العظات ما يكون دواء حاسما لما يحسه الناس في أنفسهم من حيرة واضطراب . وذلك هو نهج القرآن في بناء الأمم وإقامة النهضات . لقد نزل منجما حسب الحوادث ، لم ينزل جملة واحدة . بل وافقت كل طائفة من الآيات حالة تتطلبها كما يتطلب الظمأ الرى . وعلى الداعية أن يدرس جيدا تواريخ النزول وأسبابه ، والملابسات التى قيلت فيها ألوف الأحاديث . وأن يحسن ترتيب هذه الهدايات السماوية الجليلة بحيث توافق الأوضاع التى تصلح لها أتم الموافقة . وهذه هي سياسة الدعوة ، أو هذه الحكمة في علاج الأمور باسم الله ، وقليل من الدعاة من يُلهَمُها . (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب) . من أئمة المساجد من يحفظ بعض الخطب ثم يلقيها على مستمعيه دون اكتراث بشئونهم . ومن الوعاظ من يحشد أطايب الكلام وجواهر الألفاظ ، ثم يبعثرها على الجمهور في درس أو محاضرة . ص _157