الصفحة 152 من 404

"سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار"،"ادفن نفسك في أرض الخمول".. إلخ فكرهت هذا الكلام ، وأنكرت سياقه . إن الجملة الأولى تقال لفرد من الناس ملكه جنون القوة ، واستحوذ عليه الاعتداد بنفسه ، فبنى خطته على أنه إذا أراد فعل ، وإذا عزم فعلى المردة والأملاك جميعا أن يذعنوا له . ومن ثم فهو لا يتصور أن يردع همه أو يغلبه أحد في الأرض والسماء على أمره. هذه الكلمة حق داخل هذا النطاق وحده . وهى ـ خارج هذا النطاق ـ لا عمل لها ولا مكان . ولذلك أنكرت أن تجرى على لسان خطيب في مجتمعنا الذى تجتاحه أزمات متعاقبة من ضعف الهمم وخور العزيمة .. وكذلك كلمة (ادفن نفسك) إنها لمغرور يريد أن ينضج قبل أوانه ، ولمفتون بحب الظهور ، ينخدع بالقشر عن اللب . وليس لها مكان في أمة ألح عليها العجز ، فهى ما تنهض حتى تتعثر . وسوء الاستشهاد كما يقع في هذه الحكم المجلوبة كرها ، يقع في كتاب الله وأحاديث الرسول . فترى بليد الفهم من هؤلاء يجىء بالأثر ، هو في نفسه حق ، ولكنه فيما ضُرب له وقُص من أجله بعيد بعيد . وعندى أن هذا ضرب من تحريف الكلم عن مواضعه . أرأيت إذا انطلق رجل طيب أمين ، إلى قوم أغرار يحرص على وعظهم ، ويتعشق هدايتهم ، أفيليق أن تثنيه عن مراده بقول الله: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ..) ؟ إن سوق الآية هنا خطأ ، فمجال الآية الوحيد ، هو المجال الفذ الذى نزلت فيه ، أعنى تسلية الداعى الذى تعب ونصب وهو يحاول إرشاد شخص عنيد دون جدوى. ص _159

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت