الصفحة 153 من 404

أرأيت هذه الألوف المؤلفة من العوام المتواكلين ، الذين يجرون أقدامهم على الأرض في كسل واسترخاء ، وينظرون إلى السماء في بلاهة وغباء ؟ هل أولئك الموتى هم الذين يقال لهم: (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو) ؟ إن سوق الآية هنا خطأ . ومجالها الوحيد الذى تعمل فيه، هو بين قوم انتشوا من الحياة الدنيا حتى سكروا. قوم أبطرهم الغنى ، وأغواهم التشبع ، وحجب أبصارهم عن الحقائق العليا ، فهم مشغولون بحاضرهم عن أخرتهم ، مذهولون بأنفسهم عن ربهم . إن الآية إنقاذ لقوم يكادون يغرقون في النعيم . فكيف توجه لأقوام يكادون يهلكون عطشا إلى ضرورات الحياة الدنيا ؟!! * * * ومُصاب الإسلام في أعصار كثيرة ، وفى هذا العصر خاصة ، يجىء من الدعاة الذين يعجزون عن الموازنة بين شتى تعاليمه . إما لشلل في مداركهم يمنعهم من الاتزان و إحسان الفهم والاقتباس والتوجيه ، أو لنقص في ثروتهم العلمية ، فهم يحفظون شيئا وتغيب عنهم أشياء . ومنذ بضع مئات من السنين سقط المجتمع الإسلامى كله فريسة لعصابات من المتصوفة ، هونت لديه العمل للدنيا باسم الإقبال على الآخرة . فكانت عُقبى هذا التوجيه الضال دمارا أصاب المسلمين في كيانهم العلمى والعسكرى والسياسى . إن الإقبال على الآخرة حق . ومن ذا الذى يجرؤ على تهوين الآخرة أو يغض من الاستعداد لها ؟؟ غير أن الطريق إلى ذلك ليس بالانصراف عن الدنيا ـ كما يفهم الكسالى وأهل البلادة ـ بل بامتلاك الدنيا وتسخيرها لله . إن أى تاجر مسلم على عهد رسول الله كان كأى تاجر وثنى أو نصرانى أو يهودى نشاطا وذكاء وضربا في الأرض وبصرا بالسوق وطلبا للربح . ص _160

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت