وأمل العالم في عصر أجدبت فيه الدنيا من رسل الرحمة واليقين، وامتلأت بزبانية الأثرة والإلحاد . وأنا- والحق يقال- لا أرهب من الأخطار المحدقة بالإسلام أن خصومه يملكون كذا وكذا من أسباب الموت ، وكذا وكذا من وسائل الغلب . إننى لا أكترث بتلك القوى المعدة ، ولا ما يكمن فيها من دمار . وإنما أوجل أشد الوجل ، وأفزع أكبر الفزع ، عندما أرى المسلمين يتحللون من عهودهم مع الله ، وينسلخون من لباس التقوى ، وينساقون- بغباوة- مع الاستعمار المهدم لقوانا الروحية ، والمقطع لحبالنا الدينية . إننى أحزن إذ أرى حفلا تسقى فيه الخمر، أو مجمعا تموت فيه الصلاة، أو شارعا يموج بالكاسيات العاريات تتبعها الأبصار النهمة، أو ناديا يمتلىء بالأحاديث اللاغية والأفكار المنحطة، أو قرية تعيش في أكفان الجاهلية وتقاليدها، أو مدينة تضطرب في نفايات الحضارة الغربية ومباذلها لا تعرف غيرها . إن هذه جميعا عوارض الفناء ، وجوالب الهزيمة. بل هى الانتحار المؤكد، والضياع لرسالتنا وكياننا، والإياس من تأييد الله لنا وعونه معنا. ولابد للحفاظ على حياتنا، والإبقاء على تراثنا، والنجاة من عدونا. لابد أن نعود سراعا إلى إسلامنا جملة وتفصيلا، لنكون مع الله، ويكون الله معنا. وعبء هذا العمل على الدعاة الأذكياء الأتقياء ، الدعاة الذين ألفت لهم هذا الكتاب. * * * وأخيرا، لقد ساءلت نفسى: هل أنا أهل لهذا العمل ؟ لماذا لم أدعه لمن هو أزكى منى نفسا وأحسن خلقا ؟ ثم قلت: أجعله توبة نصوحا، وعهدا على الخير والصدق، وأستعين الله على الوفاء. وذكرت في مطالعاتى لكتاب"الأمالى"ما رواه الأصمعى قال:"بلغنى أن بعض الحكماء كان يقول: إنى لأعظكم وأنا كثير الذنوب، مسرف على نفسى، غير حامد لها، ولا حاملها على المكروه في طاعة الله عز وجل . ص _009"