الصفحة 62 من 404

وظل رسول الله بدعوته كلها ، يشرح أصولها ويوضح سبيلها . ولم تفتر عزيمته في مهاجمة الأصنام ، وتسفيه عابديها، والتنديد بجهالتهم. فلما حدثه عمه أبو طالب أن يدع هذا الدين ، وأن يصون نفسه من خصومة المناوئين قال:"يا عم والله لو وضعوا الشمس في يمينى والقمر في يسارى على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته". وتمر السنون بطيئة ثقيلة معنتة موجعة ، والكفاح بين الحق والباطل لا تهدأ حدته وقد نقلته الأيام من ميادين الكلام إلى ميادين القتال . ومع ذلك فبعد بضع عشرة سنة من هذه الكلمة التى قالها الرسول لعمه تسمعه يقول لبديل بن ورقاء الخزاعى في موقف الحديبية:"إنا لم نجىء لقتال أحد ، ولكنا جئنا معتمرين وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم ، فإن شاءوا ماددتهم ويخلوا بينى وبين الناس: فإن أظهر ، فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل الناس فيه فعلوا ، وإلا فقد جموا. وإن هم أبوا فوالذى نفسى بيده لأقاتلنهم على أمرى هذا حتى تنفرد سالفتى ولينفذن الله أمره". إنه إصرار لم تزده الليالى إلا قوة ، وثبات يربو مع الزمن ولا ينقص . وربما سألت: ما العدة في هذا النضال؟ وما الوسائل التى اعتمدت عليها الدعوة في بلوغ أهدافها ؟. والجواب أن الدين لا يتذرع في الوصول إلى غاياته إلا بطرقها نفسها . وتدرك طبيعة هذه الطرق من قول الله لنبيه: (فاصبر على ما يقولون و سبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس و قبل غروبها) . (فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون) . (اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب) . (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل) . ص _068

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت