الصفحة 65 من 404

بيد أنه من الكذب على الله وعلى الواقع أن ننتظر انتصار حق إذا تأملت فيما حوله لم تجد إلا خصائص الباطل كلها من غباء وشهوة وعوج. إن الحق عندما يكون حربا بين الوثنية والتوحيد، فهو حرب بين العقل المتأبى على الخرافة، المتجاوب مع ما في الكون كله من علم ومعرفة، وبين عقل آخر مستغلق منحط يسجد لحجر أو عجل أو ما شابههما. ومن البديهى أن انتصار الأول هو امتداد للمعرفة، وكرامة للإنسان، ومنفعة للناس ينطبق عليه قول الله: (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال) . لكن ما الحال إذا عقم الحق فلم يلد ينفع ، واكفهر وجهه فلم يتضمن بشرا، ورمقت أصحابه فوجدتهم ملتفين حول اسم فارغ لا لب له؟! أنى يكتب لهذا الحق المزيف نصر أو يسجل له خلود؟! إن المسلمين- ونقولها آسفين- ظلموا الحق الذى توارثوا آياته في صحائفهم. لقد التصقوا به وهم يرتكبون خطأين جسيمين: أحدهما في جانب الحياة نفسها، فلم يفقهوها ولم يوثقوا أواصرهم بها. والآخر في جانب الله، إذ لم يفقهوا هداه ولم يسيروا على سننه. فكانت النتيجة أن تنكرت لهم الحياة فهانوا فيها، وأن سخط الله عليهم فلم يسعفهم بنصرٍ هُم أحوج الناس إليه .. فإذا انخذل الإسلام- وتلك حالته مطمورة في أحوال أهله- فإن ذلك ليس قدحا في سنن الله العامة ، ولا تكذيبا للنتائج المحتومة في كل صراع يدور بين الكفر والإيمان . إن انتصار الحق أمر لابد منه ، وغلبة أهله على غيرهم في نهاية المطاف قانون لازم دائم . وقد تسبق ذلك مراحل طويلة، ولكن هذه المراحل ليست تسويفا لنتيجة ينبغى حلول أوانها، بل هى- في الأغلب- فترة من الزمن يكتمل فيها معنى الحق في نفوس حملته، ويمتزج بحياتهم الباطنة والظاهرة على سواء. فترة يخلصون فيها من نزعات الهوى الخفى والجلى ، تتم فيهم القدرة على إفراغ الحياة الإنسانية في القالب الذى يريدون ، وتسييرها نحو الوجهة التى يبتغون.، ص _071

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت