فهرس الكتاب
ولابد أن تدرك الأم الجائرة ما يقمع بطرها ويطمس على بصرها.. وعندما يحيق بالمجرم سوء صنيعه يستيقظ في نفسه ما أنامه الغرور من قبل، فيصحو بعد فوات الوقت ويعترف بما كان ينكر، بل بما كان يجحد، وكثيرا ما نسمع الكلمات الأخيرة التى يرسلها المحكوم عليهم بالإعدام وهم مقودون إلى حبل المشنقة ، إنها كلمات مليئة بالندم والتوبة ناضحة بالإيمان والاستسلام لله.. بيد أن ذلك الرشاد المفاجىء لا يغنى عن أصحابه، ولا يؤخر عنهم العقوبة. لقد حكم فرعون حقبة من الدهر، كانت حافلة بالجبروت والفساد، مشحونة بالبغى والقتل، فلما أدركه الغرق قال: (آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين ، آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين) !!!. إن هذه اليقظات الغريبة في ضمائر المجرمين لا تدل على خير. ومن يدرى لعلها حيلة الجبان للفرار من القصاص !!، ومن ثم رأينا الله جل جلاله لا يدع الأمم الضالة بمثل هذا الاحتيال: (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون) . ونحن نلحظ أن عذاب الاستئصال الذى اجتاح كثيرا من المكذبين السابقين قد استحال شيئا آخر بالنسبة إلى مشركى مكة. فإن موقفهم قد ألجأ الرسول إلى الهجرة وظهر كأن دولة الوثنية قد سيطرت على الموقف، وأن الهزيمة قد لحقت بالإيمان وصحبه . لكن هذا الظاهر المتبادر إلى الأذهان لا يلبث أن يزول، إذا عرف أن دولة الوثنية لم يمض عليها إلا قليل حتى تلاشت في موطنها نفسه، وأن سدنتها ذابوا في حرارة الإيمان المنتصر كما يذوب الجليد على ألسنة اللهب. وصدق الله سبحانه في قوله: (و إن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها و إذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا ، سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا و لا تجد لسنتنا تحويلا) . ص _073