الصفحة 68 من 404

أجل إنهم ما لبثوا إلا بضع سنين ثم تهدمت الأصنام حول الكعبة، تحت سطوة التوحيد المنتصر. وانطلق صوت الرجال الذين بعثهم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أرجاء مكة يقولون في الموسم الجامع: لا يحج بعد العام مشرك . * * * منذ نشط العمران البشرى على وجه الأرض والناس تستهويهم مأرب شتى، وتتوزعهم طرائق مختلفة. وكثرتهم- وهذا أمر محزن- يغلبها الجهل، وتنحرف عن سواء السبيل. شرف الإنسان عقله، ولكن العقل طالما نحِّىَ عن قيادة الأفراد والجماعات. وجمال الإنسان صفاء فطرته، واستقامة سجيته، ولكن الفطر الصافية والسجايا المستقيمة طالما احتجبت وراء غواش من الأثرة والظلم والهوى. وكما تفتك أسراب الديدان، وأنواع الآفات بأشجار القطن والفاكهة، هجمت علل خطيرة على الجنس الإنسانى فعوجت سيره، وشوهت فكره، ومسخت ما برأه الله عليه من فطرة، وما زانه به من عقل: (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين) وكان جهد النبيين الأول هو علاج هذا الخلل في السلوك الإنسانى ومداواة تلك العلل التى تفتك بالكرامة وتنذر في العاجلة والآجلة بسوء المنقلب .. هذه أمة شاع فيها غمط الحقوق وبخس الكيل والميزان. وهذه أمه شاع فيها الكبر والجبروت واجتياح الضعاف. وهذه أمة أسرفت في شهواتها وتعدت الإناث إلى الذكران. وهذه، وهذه.. أمم كثيرة تطرق المرض النفسى إلى قلبها ولبها، وذهلت من قبل ومن بعد عن معرفة ربها. فكان كل رسول يبذل قصاراه في سوق الشفاء لها، ومحاولة النجاة بها من عواقب الكفر والفسوق والعصيان. ص _074

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت