فهرس الكتاب
وإنك لتسمع القرآن الكريم يجمل تواريخ هذه الأمم وعمل الدعاة الكبار في إرشادها إلى الحق وقيادتها إلى الله فتراه يلزم هذا النسق وهو يقص مصارع خمس من الأمم: (كذبت عاد المرسلين * إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين) . إن هذا النسق اطرد في التأريخ لقوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب. تشابهت الرسالات، وتشابهت الإجابات، وتشابهت المصاير التى طوت الكل، وذاك ما يدعو إلى الاستغراب والعجب: (كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون ، أتواصوا به بل هم قوم طاغون ، فتول عنهم فما أنت بملوم ، وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) . هؤلاء الأنبياء المخلصون عمدوا إلى محاربة الخرافة الأولى في تفكير الإنسان وهى تقديس الأصنام والأبقار وما إليها ، وفتح البصائر المغلقة حتى تعرف ربها الحق وحده. فإذا عرفته حرصت على إرضائه، وبعدت عن مساخطه، واستعدت للقائه. ومن ثم أمكن فطامها عن الرذائل التى هوت فيها وتيسر شفاؤها من العلل الغليظة التى رانت عليها . إن الأمراض الاجتماعية شديدة الفتك بعيدة الأثر. وكما يصنع الزهرى مثلا بالأجنة في بطون الأمهات، من تلف في الأجهزة وعطب في الحواس، تصنع الخرافات والشهوات بالأفئدة والأعمال. وكثيرا ما أنظر إلى الأجيال الناشئة في قرانا المصرية فأرى البول الدموى نزف قواها وشل نماءها، وكسا الوجوه بصفرة كابية. فإذا قارنت بين أولئك الولدان البائسين، وأترابهم من أبناء البيئات النقية شعرت ببعد البون إذ ترى هؤلاء يشبون في عافية وتتورد وجوههم من قوة الحياة ووفرة الصحة. إن الفطرة الإنسانية قد تحكمها بيئات ظالمة مظلمة، فإذا هى صريعة جهالة طامسة وأهواء طافحة، وعوج شنيع. ص _075