فهرس الكتاب
بل إن هذه الفطرة الكريمة يصيبها من الغمار ما يصيب الحقول الغناء إذا هجمت عليها قوافل الجراد. ولم يعرف العالم في تاريخه الطويل أزكى ولا أرقى من رسل الله في الذياد عن هذه الفطرة. وقد قرأنا في كتاب الله كيف برز كل طبيب منهم يشفى النفوس من سقامها ويرجع إليها رشادها العازب، ويهديها إلى سواء الصراط. وفى دعوات الأنبياء الأولين نلحظ بساطة العرض، وسهولة الفكرة، ورقة الإخلاص، وجلاء الغاية، وتدفق الرحمة، وصدق النصيحة، وقوة التوجيه إلى الله والإعداد للقائه. بيد أن كل واحد منهم كان محدود الطاقة في علاج ما يلقى من أمراض، إذ كان جهده محليا غايته ملافاة ما يقع، واستنقاذ من يستجيبون. أما الرسالة الخاتمة، فلم تكن"مشروعا"صغيرا لإصلاح قرية موبوءة. بل كانت برنامجا واسع الدائرة رحيب الأكناف، يستهدف وضع خطط لوقاية العالم كله، ورسم سياسات كثيرة للإصلاح والاستشفاء، وحشد قوى جبارة لتطهير الأرض من جراثيم الفساد. إن هذه الرسالة تتميز في دعوتها بأنها جهد إنشائى متكامل لخلق عالم أفضل يتعاون فيه الفرد والمجتمع على نشدان الكمال، وإقرار الفضيلة، على أساس من معرفة الله جل شأنه. ومحور الإصلاح في الرسالة الآخرة، جعل الإنسان إنسانا.! وهذا شىء يدعو إلى العجب ! هل جعل الإنسان إنسانا غاية تقوم لها رسالة، ويقترن بها خير، وينتج عنها كمال مرموق؟! نقول: نعم ، وذاك محور الإصلاح الإلهى للعالم كله. إن أقوى شىء في الوجود الآن قد يكون التفجير الذرى، وربما كان في القرن السابق الطاقة الكهربائية. والوجود مشحون بقوى هائلة عرف منها ما عرف وستر منها ما ستر. ص _076