التعريف بالدعوة ربما تجد في الشوارع أناسا يسيرون لغير وجهة، تتعلق أبصارهم بالبضائع المعروضة في المحال المقامة على الجانبين ، أو يشاهدون أشخاص السائرين أمثالهم في الطريق. وربما تجد آخرين يسعون مسرعين لإدراك ملهى برىء أو خبيث. وقد تجد غيرهم منطلقا إلى مرتزقه الذى يعيش منه، فهو يهرع إليه عارفا ماذا سيصنع، ومتى يؤوب. إن الناس في الحياة العامة صنوف شتى: بعضهم يعيش لا يدرك إلا أن الحياة قدرت له، فهو يتحرك فوق ظهر الأرض كيفما اتفق. وبعضهم تحبسه هموم الرزق، فهو لا يعرف إلا تحصيل القوت له ولأهله. وآخرون يبحثون عن السرور في مظانه ليستمتعوا بما أمكن من لذات الدنيا. وأغلب الناس كذلك، يختلف عليه الليل والنهار وهو محاصَر بمآربه القريبة، مصروف بالمادة عما وراءها، محجوب بالمظاهر عن الحقائق الكبيرة، ناسيا أن"الله"خلقه لحكمة، واستعمره في الأرض لأجَل، وكلفه في عمره المحدود بأعمال، وضرب له موعدا للقاء رهيب يحاسبه فيه على ما فعل وترك وقدم وأخر. في غمرة هذه الدنيا الفاتنة يرتفع صوت النبوة، لينبه الناس إلى ما سهوا عنه ، وليحذرهم مما انخدعوا به، وليُذكِّرهم بالزاد الذى يقدمون على ربهم به. في غمرة هذه الدنيا، وفى انطلاق كل امرىء إلى غرضه الأثير عنه، يرتفع صوت النبوة شارحا للناس الغاية العليا في محياهم، ومنددا بالسبل المنحرفة التى توزعتهم، وحاديا إلى الطريق اللاحبة التى قلوا فيها، واستوحشت منهم، إنه صوت الحق المنزه البرىء، الضامن لسعادة العاجلة والآجلة معا: (أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين ، وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم ، وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون) . ص _013