وتاريخهم وأنسابهم وعلوم الفروسية وآلات الحرب وموازين القوى في جزيرة العرب وما حولها من الفرس والروم، وأما خلاف ذلك من العلوم فلا يضر عدم الإلمام بها لمن تصدى لأمور القيادة وينسب ذلك أيضا على معظم قادة الفتح الإسلامي الذين لم يبرعوا في العلوم الشرعية ونادرا ما نرى أسماءهم بين رواة الحديث ومع ذلك هم أعلم الناس بما يلزم للحروب من معارف وعلوم، وقد جاء عن عمرو بن العاص وهو أحد قادة فتح مصر أنه لما ذكر عنده حديث"تقوم الساعة والروم أكثر الناس"قال: فإن فيهم خمس خصال (فهم أحلم الناس عند مصيبة وأسرع الناس إفاقة بعد مصيبة وأوشكهم كرة بعد فرة وأرحمهم بالأرملة والضعيف والمسكين وأمنعهم من ظلم الملوك) وفي تعليق عمرو الأخير دلالة واضحة على سعة اطلاعه بعادات الروم وتاريخهم وطبيعة العلاقات بينهم، وهذا هو نوع الوعي السياسي المطلوب تحصيله لدى القادة عن المحيط الذي يعيشون فيه ويتعاملون معه. فقد تسود بعض الاعتقادات الخاطئة حول حقيقة العدو وذلك يرجع بشكل أساسي لتمسكه بفكرة مشوهة أو بفكرة محددة دون غيرها ومن هنا ينشأ الزلل في فهم العدو، والحقيقة أن هذا النوع من الأخطاء قاتل، فمن لا يعرف عدوه من باب أولى ألا يعرف كيفية الانتصار عليه، فعندما نقول أن الحلف الصهيوصليبي لا يقاتلنا إلا بدافع ديني ولأننا مسلمون نقول قد يكون ذلك جزءا من الأمر ولكن ليس الأمر كله، فهناك دوافع اقتصادية شكلت محرضا أساسيا للحروب الصليبية قديما وفي وقتنا هذا، أضف إلى ذلك الدوافع الأمنية والسياسية والإستراتيجية والتوسعية وكذلك الأفكار التي تدور حول الدول التي خلفها الاستعمار في المنطقة فمع أن الكثير ينظر إليها على أنها دول عميلة للغرب وأنها لا تملك من أمرها شيئا، إلا أن الناظر بعين الإنصاف يرى أن منها من يعتبر بحق ولاية أمريكية أخرى والكويت مثال على ذلك، ومنها من يتمتع بهامش حرية متقلب بحسب أحوال الطقس السياسي العالمي كتركيا التي رفضت السماح للقوات الأمريكية بغزو العراق انطلاقا من أراضيها بينما لم تملك الكويت أن تعترض على ذلك!
ولا يأخذنا هذا الفهم أن نحسن الظن بدول الممانعة كسوريا مثلا أو التي تتمتع باستقلالية كبيرة كإيران وأن نقول بأنها لا تدور في فلك الغرب لأنه في عالم السياسة توجد هناك دائما تفاهمات على ملفات معينة، وتوجد هناك إملاءات أيضا يفرضها القوي بحكم موقعه، وخدمات إيران وسوريا في الحرب على الإرهاب وغزو أفغانستان والعراق خير دليل على ذلك، وكذلك الحال في البلد الواحد فقد نظن أننا نتعامل مع ساسة البلد بيد أن القرار الإستراتيجي بيد العسكريين كما هو الحاصل في الجزائر الذي يحكمه الجنرالات المدعومون من فرنسا وقل نفس الكلام عن الأحزاب