فهرس الكتاب
ما سر ضيقك إذن؟
هل السعادة في توافر أسبابها ؟، أم في كيفية الاستمتاع بهذه المقومات والنعم ؟
هل كل تعيس يفتقر إلى المقومات المادية للحياة ؟ وهل السعيد من يملكها ؟
هذه أسئلة كثيرة، لا ألقيها في وجهك حتى أزايد على ضيقك، ولا أنثرها حولك لتشتتك وتلهيك عن أزمتك.. إنما أريدك أن تخرجي من حالة الضيق إلى حالة التفكر، ومن حالة التيه إلى الحكمة والثبات.
لستِ بحاجة لتذكيرك بأن كل إنسان على وجه الأرض يمر بالعديد من الاختبارات الحياتية، فيسعد أحيانا، ويشقى أحايين أخرى. يقول تعالى: { لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} (البلد: 4) . والمهون على هذا الشقاء ليس إلا الإيمان بالله عز وجل، وبالقدر خيره وشره [ طالعي: القضاء والقدر.. محك الإيمان ] .
ولنعد إلي نعم لله عليكِ؛ كيف يمكن أن تستثمري هذه النعم في إسعاد قلبك؟ هل مجرد وجودها سعادة في حد ذاتها؟ أم أن هناك وسيلة لتطويعها من أجل السعادة؟
فمثلا: هل السعادة في إنجاب الأطفال؟
وهل الذين لم ينجبوا ليسوا بسعداء ؟
وهل الذين أنجبوا كلهم سعداء ؟
إذا أجبت على هذه الأسئلة، فستتأكدين بأن السعادة ليست في وجود النعم في حد ذاتها، ولكن في توظيفها، وحسن استخدامها في طاعة الله.
أريدك حبيبتي أن تتذكري أن السعادة الحقيقة لن توفرها لكِ الدنيا؛ مهما حصدتِ من أوجه السعادة الدنيوية، إنما بلقاء المولى يطمئن القلب، وفي جنانه يهنأ الجسد، وبمرافقة الأنبياء والصالحين تنتشي الروح.
يقول عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْعَيْزَارِ:"إِنَّ الأَقْدَامَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَمِثْلِ النَّبْلِ فِي الْقَرْنِ، وَالسَعِيدٌ مَنْ وَجَدَ لِقَدَمَيْهِ مَوْضِعًا، وَعِنْدَ الْمِيزَانِ مَلَكٌ يُنَادِي: أَلا إنَّ فُلانَ بْنَ فُلانٍ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ، سَعِدَ سَعَادَةً لَنْ يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا، أَلا إنَّ فُلانَ بْنَ فُلانٍ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ، شَقِيَ شقاءً لَنْ يَسْعَدَ بَعْدَهَ أَبَدًا".
وعن السعادة الروحانية والكمال النفسي المتحقق في الآخرة؛ حدثنا بحكمة الإمام فخر الدين الرازي في كتابه مفاتيح الغيب:"اعلم أن حب الدنيا لا يجتمع مع سعادة الآخرة، فبقدر ما يزداد أحدهما ينتقص الآخر، وذلك لأن سعادة الدنيا لا تحصل إلا باشتغال القلب بطلب الدنيا، والسعادة في الآخرة لا تحصل إلا بفراغ القلب من كل ما سوى الله، وامتلائه من حب الله."
وإذا أنعم الله تعالى عليك بنعمة طلب عندها منك عملًا تتوصل به إلى استحقاق نعم الآخرة، فكأنه تعالى يأمرك بأن تكتسب لنفسك سعادة الأبد، وأما غير الله فإنه إذا أنعم عليك بنعمة أمرك بالاشتغال بخدمته والانصراف إلى تحصيل مقصوده، ولا شك أن الحالة الأولى أفضل"."
ولا نعني بذلك أن الدنيا ليست في حسابات المؤمن، ولكنه يفكر في سعادة الدارين، وكيف يحسن نواياه، فيحصد منافع الدنيا بما يفلحه في الآخرة.