الصفحة 11863 من 35630

ومن التنويع تنويع الذكر نفسه بين الاستغفار، والتسبيح، والتحميد، وغيره، فإنَّ لكلِّ ذكرٍ تأثيره، وإن لم يؤثِّر فيك ذكرٌ أثَّر فيك آخر.

ويقصد بالتدبُّر استشعار القلب ما أمكن لمعاني كلِّ ذكرٍ، وأهدافه، وتطبيقاته، العمليَّة، وفوائده في الدنيا، ثمَّ ثوابه في الآخرة، مع الاهتمام بالخشوع في الصلوات، وتدبُّر معانيها ومعاني الآيات القرآنيَّة التي تُقرأ فيها، وأهداف ركوعها وسجودها وأذكارها، فهي من أفضل الذكر، وما شرعت - هي وغيرها من العبادات - إلا لتزيد الإيمان وتحرِّك القلوب، والتي بدورها ستدفع الأجساد إلى حسن العمل.

هذا، ويراعي التوسُّط والاعتدال في الأذكار، فليست العبرة بكثرتها، ولكن بالإفادة منها، بل كثرتها قد تؤدِّي إلى الرتابة والملل كما حذرنا صلى الله عليه وسلم في قوله: (عليكم بما تطيقون، فوالله لا يملُّ الله حتى تملُّوا) رواه البخاريّ ومسلم.

أخي الكريم؛

يقول الإمام النووي:"كلُّ عاملٍ لله بطاعةٍ يكون ذاكرًا لله تعالى"، فكما أنَّ العبادة والطاعة لله تعالى لا تعني فقط العبادات كالصلاة والصيام وغيرها، ولكن الحياة كلّها بما فيها من عملٍ وإنتاجٍ وتناسلٍ وغيره من المعاملات طاعةٌ لله الذي طلب من البشر حسن الانتفاع بالكون، فكذلك الذكر، لا يكون فقط وقت الصلاة، أو قراءة القرآن، أو تلاوة الأذكار باللسان أو ما شابه ذلك، وإنَّما يكون في كلِّ عمل، باستحضار نوايا الخير فيه، فمن فعل ذلك يكون ذاكرًا لله تعالى أثناء تأديته لهذا العمل، فمثلًا.. الذي يتقن عمله ونواياه نفع نفسه والإسلام والمسلمين استجابةً لطلب ربِّه فهو ذاكرٌ له طول وقت العمل، حتى ولو لم يذكره بلسانه، والذي يُحسن معاملة من حوله من زوجاتٍ، وأبناء، وجيران، وأقارب، وزملاء، وأصحاب، بالنوايا السابق ذكرها فهو أيضًا ذاكرٌ لله تعالى نائلٌ لثوابه.. وهكذا.

فإن فعلت ذلك - أخي الكريم - كنت ذاكرًا لله على كلِّ أحوالك كما كان هو حال الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يخش عليك بإذن الله من الملل من الذكر وفقدان فوائده، لأنَّك نوَّعته وتدبَّرته، وكنت من الذاكرين الله كثيرًا الذين قال فيهم: (والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات أعدَّ الله لهم مغفرةً وأجرًا عظيمًا) .

ويضيف الأستاذ هاني محمود من فريق الاستشارات:

ولن أعلق على كلام أستاذنا الدكتور محمد منصور، غير أن لي إضافة بسيطة أود أن تتقبلها مني - أخي الحبيب -، وإضافتي تتلخص في نقطتين، هما:

أولا: دعنا ننظر في بواعث الأوراد عندنا، أو بتعبير آخر.. لماذا نذكر الله ؟ لماذا نقرأ القرآن ؟ لماذا نقوم بهذه الأوراد ابتداءً ؟

إن من أجمل الملامح التي خرجت بها من قراءتي في سنة النبي صلى الله عليه وسلم تصوري لمدى إحساس النبي صلى الله عليه وسلم بعبوديته لله، واستشعاره لعظيم نعم الله عليه وعلى الناس، ويتجلى ذلك لنا فيما أثر عنه صلى الله عليه وسلم مما يعرف عندنا بأذكار الأحوال، إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوحى إليه أنك إذا شربت يجب أن تقول"بسم الله"، وإذا أنهيت تقول"الحمد لله"، وإذا لبست تقول كذا، وإذا خرجت تقول كذا..، لم يوح إلى رسول الله ذلك، ولكنه صلى الله عليه وسلم كان يتعامل مع كل أمور حياته بقلب يستشعر أن لله عليه فيما بين يديه من نعمة الله فضل،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت