فهرس الكتاب
هذه كلها أعراض طبيعية، وكان عليك أن تتوقعي حدوثها؛ ولقد ذكِّرني كلامك بالممثلات اللاتي ينعم الله عليهن بالتوبة ونبذ المعصية، وما يلاقينه بعد التزامهن من حرب شعواء، وإغراءات وفتن، وتنكُّر من الأصدقاء والأتباع الذين كانوا يتمنون لحظة رضًى منهن.
إن ما يحدث معك سُنة طبيعية درج عليها البشر في القديم والحديث، ألم تسمعي ماذا قال قوم ثمود لنبيهم صالح عليه السلام بعد أن أعطاه الله النبوة والرسالة:"قالُوا يا صالحُ قد كنتَ فينا مَرْجوًّا قبل هذا أتنهانا أن نعبدَ ما يعبدُ آباؤنا وإننا لفي شكٍّ ممَّا تدعونا إليه مُريب"، لقد كانوا يعدُّونه كبيرهم وحكيمهم قبل النبوة، فلما جاءته النبوة وبدأ في دعوتهم لتوحيد الله عز وجل، ونبْذ ما يعبدونه من أوثان، نسُوا حكمته وعِلمه، وقالوا كلماتهم تلك اتباعًا لهواهم وخبث طويتهم.
ونرى نفس القصة تتكرر مع نبينا صلى الله عليه وسلم، حيث كان قومه يلقبونه بالصادق الأمين، ويعرفون له فضله وكرامته، فلما جاءته النبوة ودعاهم لله عز وجل، وصموه بالكذب والسحر والكهانة.. إلى آخر تلك الأوصاف المفتراة.
وانظري -أختي الكريمة- إلى هذا المشهد الذي يشهد على ظلم بني البشر لأنفسهم وللناس، ولاستعداد بعضهم أن يغير معتقده في لحظة، ويقول الشيء وضده في نفس المجلس، اتباعًا لهواه، دون وازع من خُلُق أو دين: لقد كان عبد الله بن سلام رضي الله عنه، من أكبر علماء اليهود، ثم منَّ الله -عز وجل- عليه بنعمة الإيمان والإسلام، وروى الإمام البخاري أن عبد الله ذهب للنبي صلى الله عليه وسلم وقال له: أشهدُ أنك رسول الله، وأنك جئت بحقٍّ، وقد علمت يهود أني سيِّدهم وابن سيِّدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا فيَّ ما ليس فيَّ. فأرسل نبي الله صلى الله عليه وسلم، فأقبلوا فدخلوا عليه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا معشر اليهود، ويلكم، اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو، إنكم لتعلمون أني رسول الله حقًّا، وأني جئتكم بحق، فأسلموا". قالوا: ما نعلمه، قالها ثلاث مِرارٍ، ثم قال:"فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟". قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا. قال:"أفرأيتم إن أسلم ؟". قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم، قال:"أفرأيتم إن أسلم ؟". قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم، قال:"أفرأيتم إن أسلم ؟". قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم، قال:"يا ابن سلام اخرج عليهم". فخرج فقال: يا معشر اليهود، اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو، إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بحق. فقالوا: كذبت، فأخرجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمشهد غني عن التعليق.
إن جمهورَك وقُرَّائك لا بد بالطبع أن يقلوا، فالسُّنة الربانية الثابتة: {وما أكثرُ الناسِ ولو حرصْتَ بمؤمنين} ، {وإن تُطعْ أكثرَ مَنْ في الأرض يُضِلُّوكَ عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظنَّ وإنْ هُم إلا يخرُصُون} ، فالأخيار دائمًا هم القلة، أما جمهور الخبيث من الأقوال والأفعال فكثير كثير.
لذا لا ينبغي أن يكون من نتائج ذلك أبدًا شعورك بالهزيمة النفسية أمام هذه العوارض، بل الأولى أن تدفعك إلى الثبات ومواجهة التحدي، وإثبات ذاتك في ميدان الأدب النظيف، رضي بذلك جمهورك القديم أم لم يرضَ. ولتبحثي عن ميادين جديدة