فهرس الكتاب
دائرة معارف الأسرة المسلمة
الإسلام ومشكلات الشباب
جمع وإعداد
الباحث في القرآن والسنَّة
علي بن نايف الشحود
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء المرسلين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد:
فإن الإسلام قد اهتم بالشباب اهتمامًا بالغًا ، لأنهم عماد الأمة ورأسمالها .
فالشبابُ يُعتَبر ثروةَ الأمّة الغاليةَ وذخرَها الثمين، يكون خيرًا ونعمةً حين يُستَثمر في الخير والفضيلةِ والبناء، ويغدو ضررًا مستطيرًا وشرًّا وبيلًا حين يفترسه الشرُّ والفساد.
الانحرافُ في مرحلة الشّباب خطيرٌ ومخوِّف، فمنحرفُ اليوم هو مجرمُ الغدِ ما لم تتداركه عنايةُ الله، وعلى قَدرِ الرعاية بالشبابِ والعنايةِ بشؤونهم يتحدَّد مصيرُ الأمّة والمجتمع.
ولذلك ـ إخواني في الله ـ حث نبينا - صلى الله عليه وسلم - على اغتنام مرحلة الشباب قبل المشيب، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لرجل وهو يعظه: (( اِغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْل خَمْس: شَبَابك قَبْل هَرَمك, وَصِحَّتك قَبْل سَقَمك, وَغِنَاك قَبْل فَقْرك, وَفَرَاغك قَبْل شُغْلك, وَحَيَاتك قَبْل مَوْتك ) )أخرجه الحاكم وغيره .
والغنيمة لا تكون إلا لشيء يخشى فواته وضياعه إن لم يتدارك ويستغل.
ومما لا شك فيه أن الواجب في هذه الأمة مشترك بين المسلمين جميعا، شبابا وشيوخا، ولكن خص الشباب بالذكر لأنها مرحلة مهمة جدا في حياة المسلم نفسه، وفي حياة مجتمعه المسلم، فهم الذين يقومون بواجبهم بعد رحيل الجيل الذي سبقهم.
ومن أجل هذا المطلب أرشدنا نبينا إلى سلوك الطريق النبوي في تربية هذا النشء، بدءا من اختيارك لزوجتك الصالحة المؤمنة التي تعتبر بحق هي المدرسة الأولى لتربية النشء، إلى أن يكبر النشء من الأولاد والفتيات ليقوموا بدورهم من جديد. ولقد رسم النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رسم منهجًا واضحًا للآباء والمربين لتربية شباب الأمة المحمدية، ممثلًا في ابن عمه الغلام عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، حيث قال: (( يَا غُلامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ ) )أخرجه الترمذي.
إن أول لبنة في بناء الشباب لبنة العقيدة السليمة وقوة الإيمان وصدق التعلق بالله وحده، إن أولها حفظ الله بحفظ حقوقه وحدوده وحفظ أمره ونهيه، ومن ثم الاستعانة به وحده في الأمور كلها والتوكل عليه واليقين الجازم بأنه بيده سبحانه الضر والنفع، يأتي كل ذلك ليكون دافعًا للشاب وهو في فورته وطموحه وتكامل قوته ليكون قوي العزيمة عالي الهمة.
ثم ها هو نبينا الكريم صلوات الله وسلامه عليه ينادي شباب أمته جميعا؛ ليوجههم إلى حفظ شهواتهم وغرائزهم حتى لا يسقطوا في وحل الإثم والمعصية، قال رسول الله: (( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ) )أخرجه البخاري.
ومن المنهج النبوي في تربية الشباب ذكورًا كانوا أو إناثًا قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (( مُرُوا أَوْلادَكُمْ بِالصَّلاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ ) )أبو داود.
فبالرغم من أن ابن السابعة ليس مكلفًا بالواجبات، ولكنه يؤمر بالصلاة لأجل أن يعتادها ويألفها فتنطبع في ذهنه؛ وذلك لأن الصلاة فيها سر عظيم في تربية النشء على الإسلام الصحيح، قال تعالى في ذلك: { اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت:45] ، وقال عز وجل: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة:45، 46] .
وقوله: (( وفرقوا بينهم في المضاجع ) )أي: لا تتركوهم ينامون تحت غطاء واحد أو على فراش واحد؛ خشية أن يطلع بعضهم على عورات بعض، فتقع الفتنة التي لا تحمد عاقبتها.
ثم اعلم ـ أيها المربي وأنت أيها الشاب ـ أن تنشئة الولد أو البنت على طاعة الله ورسوله فيها الأجر العظيم عند الله، وذلك حتى قبل أن يدخل الجنة، فروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي قال: (( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ: الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ.. ) ). قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"خص الشاب لكونه مظنَّة غلبة الشَّهوة لما فيه من قُوَّة الباعث على متابعة الهوى، فإنَّ ملازمة العبادة مع ذلك أشَدُّ وأَدلّ على غلبة التَّقْوَى".
وروى الترمذي عن ابن مسعود عن النبي قال: (( لا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاه؟ وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلاهُ؟ وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ؟ ) )، فالشاهد من الحديث هو قوله: (( وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلاهُ؟ ) ). فأنت ـ أيها المسلم ـ مسؤول أمام الله يوم القيامة عن هذا الشباب، وهو المرحلة التي يكون الإنسان فيها قويًا فتيًا، ماذا عمل فيه؟ وبماذا استغله؟
إن مرحلة الشباب مرحلة مهمة جدا في حياة المرء المسلم، فبها ينجو من الخسران، قال تعالى: وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [سورة العصر] . فجنس الإنسان في خسارة إلا من اتصف بالإيمان والعمل به، ثم الدعوة إليه، وأخيرًا الصبر على الأذى فيه.
فما واجبات الشباب اليوم، إنها كثيرة ومن أهمها:
أولا: يجب على الشباب المسلم أن يعتني بتعلم العلم الشرعي بالقدر الذي يستقيم به دينهم وتصح به عبادتهم، فيجب عليهم أن يتعلموا التوحيد والعقيدة الصحيحة وما يخالفها من العقائد الفاسدة، كما يجب عليهم تعلم أحكام الصلاة والصيام والزكاة والحج وأركان الإيمان الستة ومعرفة نواقض الإيمان، وذلك حتى يقيموا دينهم على أساس صحيح. وإن الواقع لأليم يا أولياء الأمور، إننا نرى شبابا قد بلغ السابعة عشر من العمر وهو على وشك أن ينتهي من دراسته الثانوية، وللأسف لا يعرف كيف يقرأ كتاب الله عز وجل، بل جلهم لا يعرف كيف يقرأ الفاتحة بصورة صحيحة. فالله المستعان على هذه الصورة المخزية من صور التربية الفاشلة
ثانيًا: على شباب المسلمين أن يرتبطوا بعلماء المسلمين من أهل السنة والجماعة، وأن يرتبطوا بكبارهم، فالناس لا يزالون بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم، فإن أخذوه عن أصاغرهم هلكوا،والأصاغر هم علماء السوء من أهل البدع والضلالات. وإذا ما انفصل الشباب عن العلماء الربانيين وارتبطوا بعلماء السوء وعلماء الفضائيات تلقفتهم التيارات المنحرفة من خلال الجرائد أو الفضائيات أو الإنترنت، فأصبحوا لقمة سائغة لأصحاب الأغراض السيئة.
ثالثًا: على الشباب ـ وفقهم الله ـ أن يجتنبوا أصدقاء السوء؛ لأنهم سبب لشقاء الشاب في دينه ودنياه، والمرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل.
فالأسرةُ تفقد دورَها وتضيِّع رسالتها إذا انصرَف الآباءُ عن أُسَرهم، وكان همُّهم الأكبر توفيرَ مادّة الكسب مع ترك الحبلِ على الغارب للأولادِ والتقصيرِ في تربيتهم وعدم تخصيص وقتٍ لهم يمارسون فيه التوجيه والرعاية. فكثير من الآباء والأمهات يعتقد أن تربية الأولاد مقتصرة على توفير حاجاتِ الأولاد من أكلٍ وشُرب وكِسوةٍ وترفيه، أما تربيةُ الأخلاق وتهذيبُ السلوك وبناءُ الشخصية فليس بذي أهمية، وهذا خطأ بين واضح، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6] ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: (( والرجل راعٍ في أهله، وهو مسؤولٌ عن رعيَّته، والمرأة راعية في بيت زوجها، ومسؤولةٌ عن رعيتها ) ). الأسرةُ في الإسلامِ مسؤولةٌ عن حمايةِ الشباب من الانحرافِ.
راقبوا أبناءكم مع من يسيرون، ومتى إلى البيت يرجعون، تعاونوا مع المدارس في متابعتهم والسؤال عنهم وعن مستواهم الدراسي، لا تترك الإنترنت عند ولدك أو بنتك في غرفته الخاصة أبدًا، بل راقبه واجعله في مكان يراه كل أفراد الأسرة. وإن كنت غير محتاج إليه فمن الواجب عليك أن تخرجه من بيتك؛ لأنه وسيلة دمار على الشباب أكثر من كونه وسيلة تعلم واستفادة.
أيها الأب، لا تسرف على ولدك بالأموال بحجة أنه كبر ومصاريفه قد زادت، فالأموال سبب لفساد الأبناء، بل انظر ما يحتاجه واشتره له.
وفي هذا الملف تفصيل كامل لمشكلات الشباب المسلم التي يعاني منها اليوم ، وما أكثرها ، ففيه استشارات دينية وتربوية ونفسية ، وفتاوى وبحوث ومقالات وخطب تتعلق بهذا الجانب .
وقد جمعتها من مواقع كثيرة على النت ، ولاسيما الشبكة الإسلامية وصيد الفوائد ومشكاة وشبكة نور الإسلام ، والإسلام اليوم وغيرها كثير.
وكلها معزوة لأصحابها إما في البداية أو في النهاية
راجيا من الله تعالى أن تكون زادا للمربين والدعاة المصلحين لرد شبابنا لدينه قبل فوات الأوان .
قال الشاعر:
شباب ذللوا سبل المعالي وما عرفوا سوى الإسلام دينا
إذا شهدوا الوغى كانوا حماة يدكون المعاقل والحصونا
وإن جن المساء فلا تراهم من الإشفاق إلا ساجدينا
شباب لم تحطمه الليالي ولم يسلم إلى الخصم العرينا
وما عرفوا الأغاني مائعات ولكن العلا صيغة لحونا
ولم يتشدقوا بقشور علم ولم يتقلبوا في الملحدينا
ولم يتبجحوا في كل أمر خطير كي يقال مثقفونا
كذلك أخر الإسلام قومي شبابًا مخلصًا حرًا أمينا
وعلمه الكرامة كيف تبنى فيأبى أن يذل وأن يهونا
جمعه وأعده
الباحث في القرآن والسنة
علي بن نايف الشحود
في 14 صفر 1430 الموافق ل 9/2/2009 م
ما هي مظاهر عناية الإسلام بالفرد من الناحيتينِ الجِسْميّة والعقلية؟
... السؤال
16/06/2005 ... التاريخ
الدكتور محمد البهي رحمه الله ... المفتي
... ... الحل ...
بسم الله ؛ والحمد لله ؛ والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:ـ
أخي الكريم: ما عرفت البشرية دينا حفظ للإنسان حريته وكرامته مثل الإسلام، فهو دين جاء ليحقق للفرد اتزانه في شتى الميادين، وما ترك جانبا من جوانب الحياة إلا نظمه بأسلوب يكفل للإنسان حريته وسعادته، قال تعالى:"وكذلك جعلناكم أمة وسطا"فالوسطية هي السمة التي يمتاز بها لإسلام.
ولقد اعتنى الإسلام بالفرد عناية فائقة ليرتقي به روحيا وجسديا وعقليا، فلم يهتم بجانب من الجوانب في حياة الفرد وأغفل جانبا آخر بل كفل للإنسان ما يحقق له السعادة ويلبي احتياجاته باعتباره مزيجا مختلطا من العقل والمادة والروح، فليس هناك تشريع يصطدم مع أي جانب من هذه الجوانب، فقد اهتم الإسلام بالجسم فقال صلى الله عليه وسلم"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف"واهتم بالعقل فحث المسلم على التدبر والتفكر فقال سبحانه"قل سيروا في الأرض فانظروا"وقال"قل سيروا في الأرض ثم انظروا""أفلا تعقلون""أفلا تتفكرون"، وأعطى الإسلام للفرد الحرية الكاملة ليأخذ من متع الحياة كيف شاء، ويبدع كيف شاء لا لمجرد الحصول على المتعة في ذاتها ولكن ليعيش هادئ النفس مطمئن البال يحقق معنى عبوديته لله رب العالمين.
يقول فضيلة الدكتور محمد البهي -رحمه الله- عميد كلية أصول الدين الأسبق:ـ
طريق الإسلام في توجيه الإنسان هو طريق التوازن بين الجسم والعقل فلا هو يُقِرُّ الرهبانيّة والامتناع عن الزواج كسبيل لمَنع الزَّلل والخَطأ.. ولا هو يُقرُّ أيضًا الصيام طويل الأجل كما كانت تدعو بعض الاتجاهات الدينيّة الشرقية القديمة.. لا يُقِرُّ هذا وذاك؛ لأنّه يَحرص على سلامة البدن مِن جهة، واستمرار النوع الإنسانيّ مِن جهة أخرى.
وكذلك لا يُقِرُّ الإفراط في المُتعة المادية، محافَظة منه على أن تكون للعقل فعالية: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ) . (الأعراف: 31) فهو يطلب الاستمتاع بمُتع الحياة المادِّيّة ولكنه ينهى عن الإسراف في الاستمتاع بها حتى لا يُضَارَّ العقل في وظيفته عن طريق الضررِ الذي يُصيب البدن.
وعناية الإسلام بالبدن ـ إذن ـ هي في حِلِّ الزواج والمعاشَرة الجنسية، وفي حِلّ الطعام بما لم يَنْهَ عنه الله، والله سبحانه لم ينْهَ إلا عن الميتة والدَّم المسفوح ولحم الخنزير: (قُلْ لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) (الأنعام: 145) .
وعناية الإسلام بالعَقل كما تكون بطلب الاعتدال في الاستمتاع بمتع الحياة المادية تكون بالحرِّيّة التي يُتيحها للإنسان في مُمارسة العقل فالإسلام لا يُكره الإنسان على الإيمان بالله أو البقاء على الكفر وإنَّما يضع أمامه الحقائق غير مغلَّفة.
ووظيفة الرسول هي فقط الكشف عن الحق وإبلاغه للناس: (وقُلِ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤمِنْ ومَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) (الكهف: 29) .
والحُرِّيّة التي يُتيحها الإسلام للإنسان في ممارَسة العقل كما تتحقّق في عدم إكراهه على الإيمان تتحقق أيضًا بطلبه إبعاد مؤثِّرات البيئة من عادات وتقاليد عن التفكير حتى يتوفّر الجَوُّ الصالح للفكر الحُرِّ والإرادة الإنسانية الحُرّة؛ ولذا يَعيب الإسلام على الذين ينحرفون في تفكيرهم ويكفرون بالله بسبب التقاليد والعادات المسيطرة على بيئتهم: (وإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمونَ شَيْئًا ولاَ يَهْتَدُونَ) . (المائدة: 104) .
والعبادة من صلاة، وصوم، وزكاة: تُوفر الصلاحية التي يَطلبها البدن ليكون بعيدًا عن الانحراف، والتي يَطلبها العقل ليكون صاحب تفكير سليم.
والله أعلم
ــــــــــــــــــــ