فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 14742 من 35630

* صفاء السراج

من خلال قراءتك لسورة (الحشر) ، تجد احد محاورها الاساسية تخبرك عن حكم الفيء في القرآن، والخلفيات الموضوعية لتقسيمه. وفي هذا السياق أشار القرآن إلى فقراء المهاجرين، في قوله تعالى: (للفقراء المهاجرين الذين اخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله اولئك هم الصادقون) .

فالذين فروا من اجواء الكبت والارهاب والكفر، والتحقوا بصفوف الحركة الايمانية والقيادة الرسالية التي استقرت آنذاك في المدنية المنورة؛ لا ريب انهم تحملوا بسبب هذا القرار ألوان الضغوط المعنوية والمادية، ولكنهم تجرعوا مضض الألم، ورضوا بكل ذلك في سبيل الوصول إلى اهدافهم السامية، التي تستحق اكبر التضحيات.

نعم؛ إنهم مهاجرون خرجوا من بيوتهم واموالهم بارادتهم، ولكن الله تعالى يلفتنا إلى حقيقة مهمة، وهي: إذا يعتبرهم مخرجين (الذين اخرجوا من ديارهم وأموالهم) ، وهي ان العامل الرئيسي في هجرتهم هو الظلم والفساد وأجواء الكبت التي يصنعها الطاغوت، حيث انهم رفضوا مبادءهم والعيش الذليل في ظل حكمهم.. كما انهم لا يسمحون لهم بممارسة شعائرهم وتطبيق دينهم، فوجدوا انفسهم مجبرين على الهجرة كواجب شرعي لقول الله تعالى: (والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا) ، ولقوله تعالى: (ان الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الارض قالوا الم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا) . ولانهم يعلمون بأنهم مسؤولون عن تطبيق احكام الله، والالتزام بها ما دامت في الارض بقعة متحررة، كما انهم يدركون بأن الحرية لا يمكن المساومة عليها.. فهاجروا.

ثم يحدد القرآن الاهداف السليمة للمهاجر الصادق، وهي ثلاثة:

الأولى: البحث عن الفضل. وهنا قد يتساءل البعض هل في مفارقة الاهل والاوطان وتجرع الفقر من الفضل؟

بلى؛ لان المستقبل الكريم ليس بتوافر الوسائل المادية وحدها؛ وهل في الغنى والرفاه فضل إذا فقد الإنسان الحرية والكرامة، واستلبه الطغاة الامن والسلام؟

كلا؛ اما المؤمنون الصادقون الواعون فانهم يرون الفضل في المزيد من الايمان والعلم، والالتزام بالقيم، والعيش بحرية واستقلال وكرامة في كنف القيادة والحرية الرسالية. وكل ذلك يجدونه في الهجرة.

ثم انهم لا يقتصر نظرهم على الحياة الدنيا، بل ينفذون ببصائرهم إلى دار الآخرة، حيث المستقبل الابدي الذي ينبغي السعي للفلاح فيه، ولو تطلب الأمر التضحية بكل ما في الدنيا من الاموال والاولاد والانفس، ولذلك يسترخص المؤمنون المهاجرون حطام الدنيا.

من هنا فهم (يبتغون فضلا من الله) ، و (ان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم)

الثاني: انهم لا يتعاملون مع ربهم بمقياس الربح والخسارة، انما يتعبدون بالتزام القيم تعبد الاحرار الواعين. فلا يشبع طموحهم المستقبل المادي، حتى ولو كان هو الجنة؛ بل تراهم يبحثون من خلال الهجرة على هدف اكبر، وهو رضوان الله عزوجل. مهما كان ثمن ذلك الرضوان، من الاعتداء والتعذيب والقتل، ولو خالف هوى النفس ورضى الاسرة والمجتمع والحاكم؛ بل ولو وجدوا أنفسهم بسببه محاربين من كل العالم، (كما هو حال الحركات الإسلامية والقيادات المؤمنة المخلصة المهاجرة، التي تحاربها كل القوى الاستكبارية في العالم؛ سياسيا، واجتماعيا، واقتصاديا، واعلاميا) .

الثالث: نصرة الحق، لانها الطريق إلى رضوان الله، وذلك بالانتماء إلى صفوف الحركات الايمانية المجاهدة، والانضواء تحت راية القيادة الرسالية التي تسعى لاقامة حكم الله وطمس معالم الباطل من على وجه الارض، وفي المجتمع والنفوس ـ باعتبارها القناة الاصح والافضل لنصرة الحق ـ.

فإن المؤمنين لا يعتبرون مصادرة ممتلكاتهم أو هجرتهم عنها يسقط عنهم الواجب، ولا يعتبرون دار الهجرة نهاية المطاف ومحلا مناسبا لممارسة الشعائر والعبادات الاعتيادية كالصلاة والصوم والخمس.. وانما يعتبرونها منطلقا لمسيرة جهادية مباركة.

من هنا فهم (ينصرون الله ورسوله) لتطبيق الحق وتحكيمه.

ومن طبيعة المؤمن الصادق انه لا يفكر في حدود نفسه، فإذا وجد الامن والسلام نسي الآخرين، انما يحمل ألم مجتمعه وأمته ويعتبره المه ويجاهد من اجل خلاصهم من ربقة الجهل والفساد والظلم من منطلق شرعي وانساني. وحيث يصل إلى دار الهجرة لا يتفرج على الصراع الدائر بين الحق والمتجسد في الحركات الرسالية وقياداتها، والباطل المتجسد في القوى والأنظمة والمؤسسات الاستكبارية؛ انما يعتبر نفسه معنيا بالصراع، ومسؤولا عن الانتصار للحق.

(اولئك هم الصادقون) في ايمانهم، والمصداق الحقيقي للمهاجر كما يراه الإسلام. اما الذي يبحث في المهجر عن حطام الدنيا، وراحة النفس، ولا ينصر الحق.. فليس بصادق في دعوى الهجرة، ولا مصداقا للمهاجر.

ولقد كانت قسمة رسول الله صلى الله عليه وآله في الفيء، حيث جعله للمهاجرين قسمة منطقية، لانهم فقراء من الناحية المادية، ولأنهم صدرت أموالهم ودورهم، ولانهم كانوا صادقين.

ولعل هذا الموقف النبيل من الإسلام والقيادة الرسالية في التاريخ من المهاجرين، وكذلك موقف الانصار يهدينا إلى ضرورة اعتناء الأمة الإسلامية بأولئك الذين يهاجرون في سبيل الله، ولخيرها، بان تتحمل قسطا من دعمهم المادي، ودعم حركتهم المجاهدة للتتواصل مسيرتهم، ويتفرغوا للعمل في سبيل الله بصورة افضل، ويحافضوا على استقلالهم، فانهم ومشاريعهم اولى بالدعم.

ــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت