فهرس الكتاب
إنّ العيّنات التي يمكن أن تُذكر هنا كثيرة جدًّا ، فما مرّ معنا من قواعد وآداب للسلوك لم تكن مجرّد شعارات أو توصيات معلّقة في الفضاء وإنّما خضعت لتجربة إنسانية طويلة كشفت عن مدى أثرها في التعامل الاجتماعي ، ونظرًا لضيق المجال سنورد بعض الأمثلة للتدليل لا للحصر:
1 ـ أمسك غضبك كما تمسك فم القربة الملآن:
« جاء عن أنس ، قال: كنت مع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وعليه بُرد غليظ الحاشية ، فجذبه أعرابي بردائه جذبة شديدة حتّى أثرت حاشية البُرد في صفحة عاتقه ، ثمّ قال: يا محمّد ! إحمل لي على بعيريّ هذين من مال الله الذي عندك، فإنّك لاتحمل لي من مالك ولا مال أبيك. فسكت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ قال: المال مال الله وأنا عبده ، ثمّ قال: ويقادُ منك يا إعرابي ما فعلت بي ؟ قال: لا . قال: لم ؟ قال: لأ نّك لا تكافئ بالسيِّئة السيِّئة ، فضحك النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ أمر أن يُحمل له على بعير شعير ، وعلى الآخر تمر » .
2 ـ أحسن وفادة أخيك وأكرمه .. تكسب قلبه:
«عن أبي محمّد الحسن العسكري (عليه السلام) قال: ورد على أمير المؤمنين أخوان له مؤمنان ، أب وابن ، فقام إليهما واكرمهما وأجلسهما في صدر مجلسه ، وجلس بين يديهما ، ثمّ أمر بطعام فاُحضر فأكلا منه ، ثمّ جاء قنبر (خادمه) بطست وابريق خشب ومنديل ، فأخذ أمير المؤمنين (عليه السلام) الإبريق فغسل يد الرجل بعد أن كان الرجل يمتنع من ذلك ، وأقسم له أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يغسل مطمئنًا ، كما كان يغسل لو كان الصابّ عليه قنبر فغسل ، ثمّ ناول الإبريق محمّد بن الحنفية ( إبنه ) وقال: يا بنيّ ! لو كان هذا الابن حضرني دون أبيه لصببت على يده ، ولكنّ الله عزّ وجلّ يأبى أن يسوّي بين ابن وأبيه إذا جمعهما في مكان ، ولكن قد صبّ الأب على الأب ، فليصبّ الابن على الإبن ، فصبّ محمّد بن الحنفيّة على الابن » .
3 ـ أسلوب النقد الحكيم يفتح أسارير المنقود لتقبّل النقد:
« مرّ الحسن والحسين (عليهما السلام) على شيخ يتوضّأ ولا يحسن ، فأخذا في التنازع ، يقول كلّ واحد منهما أنت لا تحسن الوضوء ، فقالا: أ يُّها الشيخ ! كن حكمًا بيننا ، سيتوضّأ كلّ واحد منّا ، فتوضّآ ثمّ قالا: أ يُّنًا يُحسن ؟ قال: كلاكما تحسنان الوضوء ، ولكن هذا الشيخ الجاهل هو الذي لم يكن يحسن وقد تعلّم الآن منكما » .
4 ـ اللّباقة في فضّ المنازعة فنٌّ يجدر أن نُحسنه:
جرى بين الحسين وبين (أخيه) محمّد بن الحنفية كلام ، فكتب ابن الحنفية إلى الحسين: « أمّا بعد يا أخي فإنّ أبي وأباك علي لا تفضلني فيك ولا أفضلك ، وأمّك فاطمة بنت رسول الله ، لو كان ملء الأرض ذهبًا ملك أمّي ما وفّت بأمّك ، فإذا قرأت كتابي هذا فصر إليَّ حتّى تترضاني، فإنّك أحقّ بالفضل منِّي، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته» . ففعل الحسين (عليه السلام) فلم يجرِ بعد ذلك بينهما شيء .
5 ـ أعظم أسلوب في فنّ التواصل .. مقابلة الإساءة بالإحسان:
« وقف على عليّ بن الحسين (عليه السلام) رجلٌ من أهل بيته فأسمعه وشتمه فلم يكلِّمه ، فلمّا انصرف قال لجلسائه: لقد سمعتم ما قال هذا الرجل وأنا أحبّ أن تبلغوا معي إليه حتّى تسمعوا منِّي ردّي عليه . فقالوا له: نفعل ، ولقد كنّا نحبّ أن تقول له وتقول ، فأخذ نعليه ومشى وهو يقول: (والكاظمين الغيط والعافين عن النّاس والله يحبّ المُحسنين ) فقلنا: إنّه لا يقول له شيئًا . قال: فخرج حتّى أتى منزل الرجل ، فصرخ به ، فقال: قولوا له هذا عليّ بن الحسين . قال: فخرج متوثبًا للشرّ وهو لا يشكّ إنّه إنّما جاء مكافئًا له على بعض ما كان منه . فقال له عليّ بن الحسين: يا أخي ! إنّك وقفت عليّ آنفًا وقلت ، فإن كنت قلتَ ما فيّ فأستغفر الله منه ، وإن كنت قلتَ ما ليس فيّ فغفر الله لك !! قال: فقبّل الرجل بين عينيه ، وقال: بل قلت فيك ما ليس فيك وأنا أحقّ به » !
6 ـ لا تتميّز على الآخرين .. كُن كأحدهم يمحضوك الحب:
« كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في سفر فأمر باصلاح شاة ، فقال رجل: يا رسول الله ! عليَّ ذبحها ، وقال آخر: عليّ سلخها ، وقال آخر: عليّ طبخها ، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : وعليّ جمع الحطب ، فقالوا: يا رسول الله ! نحن نكفيك ، فقال: قد علمت أ نّكم تكفونني ، ولكن أكره أن أتميّز عليكم فإنّ الله يكره من عبده أن يراه متميِّزًا بين أصحابه ، وقام فجمع الحطب » .
7 ـ أنصف الناس من نفسك .. إعطِ لكلّ ذي حق حقّه .. تُسعِد وتَسعَد:
« قال سوادة بن قيس للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في أيّام مرضه: يا رسول الله ! إنّك لمّا أقبلت من الطائف استقبلتك وأنت على ناقتك العضباء وبيدك القضيب الممشوق، فرفعت القضيب وأنت تريد الراحلة فأصاب بطني ، فأمره النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقتصّ منه ، فقال: اكشف لي عن بطنك يا رسول الله ، فكشف عن بطنه ، فقال سوادة: أتأذن لي أن أضع فمي على بطنك ، فأذن له ، فقال: أعوذ بموضع القصاص من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من النار يوم النار . فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا سوادة بن قيس ! أتعفو أم تقتصّ ؟ فقال: بل أعفو يا رسول الله ، فقال: اللّهمّ اعف عن سوادة ابن قيس كما عفا عن نبيّك محمّد » !
8 ـ تعلّمتُ من الحياة .. أنّ الشتيمة تعاقب نفسَها:
« سمع أمير المؤمنين (عليه السلام) رجلًا يشتم قنبرًا ، وقد رام قنبر أن يردّ عليه ، فناداه أمير المؤمنين (عليه السلام) : مهلًا يا قنبر دع شاتمك مهانًا ، ترضي الرّحمن وتسخط الشيطان ، وتعاقب عدوّك ، فوالذي خلق الحبّة وبرأ النسمة ما أرضى المؤمن ربّه بمثل الحلم ، ولا أسخط الشيطان بمثل الصمت ، ولا عوقب الأحمق بمثل السكوت عنه » .
9 ـ أفضل السعي في سبيل الله.. قضاء حاجة أخيك المؤمن:
« دخل على جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) رجل وشكا له تعذّر الكراء، فقال (عليه السلام) لصفوان الجمّال: قم وأعن أخاك على قضاء حاجته، فقام صفوان وذهب مع الرجل فيسّر الله له كراه ، ثمّ رجع صفوان إلى مجلس الإمام (عليه السلام) فسأله: ما صنعت في حاجة أخيك ؟ قال: قضاها الله . فقال (عليه السلام) : أمّا إنّك إذا أعنت أخاك المسلم أحبّ إليَّ من طواف أسبوع في البيت الحرام » !
ــــــــــــــــــــ