فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 14738 من 35630

يهتمّ الشبّان بمظاهرهم ، وتولي الفتيات مظاهرهنّ عناية فائقة كجزء من لفت أنظار بعضهم لبعض . وقد يأتي الاهتمام بالمظهر الخارجي كصورة من التفاخر والتباهي على الأقران أصدقاء أو صديقات .

وإذا سألت أحدهم ، أو إحداهنّ عن السبب في المبالغة بالاهتمام بالمظهر ، يأتيك الردّ: «الدنيا مظاهر» .

والقرآن قد وصف الدنيا بأنّها دار لهو وغرور وزينة وتفاخر وتكاثر ، لكنّه أراد بهذا الوصف أن يذمّ هذا الوجه منها ، وإلاّ فهو قد دعا إلى الأخذ بنصيب الدنيا (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسَ نصيبك من الدنيا ) أي التمتع بملذاتها في غير محرّم ، واغتنامها كفرصة للطاعة وللابداع الانساني الذي يخدم الانسانية ويعمر الأرض بالحق والخير والجمال والعدل .

إنّ تعبير (الدنيا مظاهر) ينمّ عن حالة ثقافية واجتماعية تولي العناية بالمظهر اهتمامها الأوّل بحيث يصبح مظهر الانسان لا جوهره هو القيمة .

فذو الملابس الفاخرة ، والسيارة الفارهة والقصر المنيف .. إنسان فاخر ، وذات الملابس الزاهية الغالية ، والزينة المترفة الباذخة من أساور وأقراط وقلائد ، إنسانة من الطبقة الراقية .

ولا بدّ من التنبّه إلى أنّ (الفخر) هناك و (الرقيّ) هنا ليسا حقيقيين وإنّما اعتباريان ، أي أنّ الناس وبسبب التخلّف الثقافي يعتبرون المظاهر فخرًا ورقيًّا .

وقصّة ذلك الرجل الذي دخل إلى مأدبة فلم يأبه به أحد لأنّ الدعوة كانت مخصّصة لذوي المظاهر ، وحين ارتدى ملابس فاخرة لفت الأنظار وجذب الاهتمام ، معروفة ، حتى أ نّه حينما جيء له بالطعام لم يتناول منه شيئًا ، بل قدّمه إلى ملابسه ، وقال لها: كلي ، فهذا لك ! فتعجّب الحاضرون من هذا المشهد الذي يكشف عن أنّ الاهتمام كان منصبًا على المظهر وليس على صاحب المظهر .

ولو أردنا أن نعرف حقيقة (الفخر) لقلنا أنّ من حقّ الانسان أن يفخر بقدراته ومواهبه وأفكاره وإبداعاته ومساهماته في خدمة المجتمع .

وأنّ (الرقيّ) الحقيقي هو في النمو المطرد الذي نلحظه على تفكير الانسان وتعامله أو تعاطيه مع الأشياء والأشخاص والأحداث .

إنّ واحدةً من أبلغ رسائل الحجّ التي يقدّمها الاسلام لأتباعه هي أنّ الله لا يعبأ بأشكال الناس وملابسهم ، بل بما انطوت عليه قلوبهم وسرائرهم ، ورسالة ثوبي الأحرام شبيهة إلى حدّ كبير بالكفن الذي يلفّ به جثمان الانسان في آخر المطاف .

إنّها رسالة تقول للانسان أنّ ما يميِّزك عن أخيك الانسان الآخر هو عملك وعلمك وتقواك ، وما عدا ذلك فلا قيمة له ولا اعتبار سواء لبست الحرير أو ارتديت الأسمال .

وهذا هو أحد جوانب الصورة .

أمّا الجانب الثاني ، فإنّنا لا نريد من الحديث عن المظاهر أن نهمل مظاهرنا وأن نرتدي الثياب المرقعة البالية ، فالزيّ الجميل والنظيف يضيف على حسن الانسان حسنًا آخر ، لكنّنا نؤكد ونركز على الجوهر والمضمون أكثر من التركيز على المظهر والشكل .

فالثياب والزينة ـ حتى الفاخر والغالي منها ـ تبلى وتتغيّر ألوانها وتهبط أسعارها وربّما تسقط موديلاتها ـ إذا جارينا النظرة إلى الموضة ـ لكنّ أخلاق الانسان وفكره واسلوب تعامله وشمائله لا تبلى ، بل يمكن أن تتجدّد وتزداد قيمتها مع الأيام ، فالله لا ينظر إلى أجسامنا وأشكالنا وأزيائنا وإنّما ينظر إلى قلوبنا ، أي المحتوى الداخلي لكلّ منّا ، وفي ذلك يقول الشاعر:

إذا المرءُ لم يدنس من اللؤم عرضه *** فكلّ رداء يرتديه جميلُ

* البلاغ

ــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت