فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 14736 من 35630

* فهمي هويدي

هنا بعض ممارسات أجهزة الأمن تجاه الشباب المسلم الذي يريد أن يدعو إلى الله، ويخدم دينه وأهله المحيطين به، دون أن ينخرط في تنظيم سري أو جماعة متطرفة، ودون أن يتصادم مع السلطة، وهناك أيضًا أنشطة بعض التجمعات الإسلامية في صعيد مصر إلى أن الذين يبادرون إلى ملاحقة بعض المنكرات، لا يغيرون شيئًا من تلك المنكرات، وإنما هم فقط (( يشاغبون عليها ) )مثيرين ضجيجًا إعلاميًا يضر ولا يفيد. ودعوة الشباب المسلم إلى أن ينشغلوا بالتربية وبالبحث العلمي، وأن (( يتطرفوا ـ إن شاءوا ) )ـ في خدمة الناس والنهوض بالمجتمعات المحيطة بهم.

منذ ذلك الحين، والبردي يحمل إلى خطابات تقول ما خلاصته: نحن نسعى إلى ما تدعو إليه، ونحاول جاهدين أن نفيد ونصلح. ولكن أجهزة الأمن تلاحقنا وتتهمنا.

تضمنت الخطابات تفصيلات لوقائع عديدة استشهد بها مرسلوها، وهو أمر يقتضينا الإنصاف والدقة أن نتحرى صحته، مما لم يتيسر لي لأسباب عديدة، بعضها يتعلق بمحدودية الجهد والطاقة، وبعضها يرجع إلى أننا اعتدنا أن نتلقى نفيًا دائمًا لكل ما ينسب لأجهزة السلطة من مخالفات أو تجاوزات. وهو نفي جاهز ومعد سلفًا فيما يبدو، لابد أن يتهم صاحب الواقعة أو مَن رددها بالتشكيك والإثارة في نهاية الأمر!.

مع ذلك فهناك وقائع ترجح صحتها، سواء لتواتر الروايات التي تنقلها، أو لتوفر قدر من المعرفة أو الخبرة الشخصية يسمح بقبولها وتصور إمكان حدوثها.

تحت يدي رسائل عدة من هذا النوع الذي ترجح صحة الوقائع المذكورة فيها. لكني أكتفي بنشر رسالة واحدة، بعث بها إلى طالب جامعي في السنة الرابعة بكلية آداب بنها اسمه محمد السيد عبدالخالق )) .

يقول صاحبها ما نصه: يبدو أن الدولة لا تشجع التدين عمومًا، ولهذا فإنها تغلق الأبواب أمام الشباب المتدين إذا ما أراد أن ينتهج سبيل الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة. وهي بذلك تشجع على التطرف والتشدد في أمور الدين. والدلائل التي حولنا تشير إلى ذلك، وهناك ثلاثة نماذج تؤيد صحة ما أدعيه.

ـ النموذج الأول: التقى بعض الشباب المتحمس لفعل الخير ومساعدة الفقراء والمحتاجين، واجتمعوا بعد صلاة المغرب في أحد مساجد البلد، واتفقوا على إنشاء صندوق أسموه (( بيت مال المسلمين ) )لجمع الصدقات والزكوات من القادرين وتوزيعها على الفقراء، بعد إجراء بحوث اجتماعية لمعرفة المستحقين للصدقة. وانتخب المصلون لجنة يرأسها شيخ من أهل القرية موثوق به. ومعه ثلاثة من الشباب المتدين ذوي النشاط الاجتماعي. وأخذ نشاط اللجنة يتسع، حتى عم الخير كثيرًا من بيوت الفقراء واليتامى والعجزة. وأخذت التبرعات النقدية والعينية من ملابس وأحذية وأغطية، تتدفق على اللجنة، التي استطاعت أن تغطي كل فقراء البلد، واتجهت لتغطي فقراء القرى المجاورة .. لكن ما إن علم القائمون على جهاز أمن الدولة بذلك حتى استدعوا أعضاء اللجنة القائمة بذلك العمل، وخيروهم بين إنهاء المشروع، أو إسناده إلى لجنة من الحزب الوطني. رفض الإخوة ذلك، لأنهم لم يثقوا في اللجنة المقترحة، وخشوا من أن تبدد أموال الصدقات في الدعاية للحزب أثناء الانتخابات (وكانت المعركة الانتخابية قائمة وقتذاك) .

وكان الحل الذي انتهى إليه أهل القرية هو أنهم لجئوا إلى انتخاب لجنة أخرى بلدية، استبعدوا منها الشباب المتدين، إرضاء لجهاز الأمن. واستقر الرأي على أن تتعامل اللجنة مع بنك ناصر الاجتماعي في جمع الزكاة وتوزيعها على الفقراء .. ولكن حماس الناس ما لبث أن فتر بعد التغيير الذي تم، وبدأ البعض يخرجون زكاتهم بأنفسهم لضعف ثقتهم في اللجنة الجديدة، وحرمت القرية من ذلك المشروع الخيري، بسبب ضغوط جهاز الأمن وشكوكه.

ـ النموذج الثاني: أحد الشبان المتدينين قرر أن يعلم بعض الصبيان بين العاشرة والثانية عشرة كيفية تلاوة القرآن الكريم حسبة لله سبحانه وتعالى. فوجه الدعوة إلى مَن يعرف، وعقد لهؤلاء الصبية جلسة أسبوعية للتلاوة في المسجد ـ في العلن وعلى رءوس الأشهاد ـ ولما (( اكتشف ) )أمره، استدعاه مسئول الأمن وطلب منه أن يكف عن هذا العمل فرفض الشاب وقال إنه عمل مشروع وليس فيه ما يعكر الأمن في شيء. فما كان منه إلا أن استدعى أباه، وهدده باحتجاز ابنه واعتقاله إذا لم يوقف نشاطه، لكن الابن (( ركب رأسه ) )ولم يستجب لدعوة أبيه. فبعث مسئول الأمن باثنين من المخبرين إلى أهالي الصبية، ونقلا إليهم تهديدًا بأنه إذا لم يتوقف الأولاد عن أخذ دروس التلاوة في المسجد، فسيتعرضون بدورهم للاعتقال. وفي النهاية سارع الأهالي إلى منع أبنائهم من الذهاب إلى المسجد سواء للصلاة أو لتلاوة القرآن، زيادة في الاحتياط وابتعادًا عن الشبهات!.

ـ النموذج الثالث: في قرية مجاورة، استشعر بعض الشبان أنهم بحاجة لأن يتعلموا شيئًا من أمور دينهم، فاتفقوا على عقد ندوة أسبوعية بمسجد القرية، يحضرها أحد شيوخ المنطقة. ولكن بفضل سعى القائمين على جهاز الأمن، منعت هذه الندوة العلنية، وأصبحت البلد خلوا من دروس العلم. فاتفق هؤلاء الشبان على أن يجلسوا مرتين أسبوعيًا فيما بين المغرب والعشاء، في أحد المساجد الأهلية للقراءة في أحد كتب الفقه الميسرة. وكان كتاب (( فقه السنة ) )للشيخ سيد سابق. واستمر الحال على ذلك لمدة أسبوعين ما لبث جهاز الأمن أن تدخل بعدهما. إذ أوفد بعض المخبرين إلى صاحب المسجد الأهلي، وهددوه بالمخاطر والشبهات، قائلين إنه إذا لم يطرد هؤلاء الشبان فسوف يضطرون إلى استصدار قرار إداري بإغلاقه. فسارع الشيخ إلى منع الدروس وإقصاء الشبان عن المسجد دفعًا للشبهة واتقاء للأذى!

ختم الطالب الجامعي هذا الشق من الرسالة بقوله: هذه النماذج التي عرضتها تبين بما لا يدع مجالًا للشك، أن الدولة ليست لديها وسيلة للتعامل مع التيار الإسلامي المعتدل سوى أجهزة الأمن. في حين أن تلك الأجهزة تتولى (( مقاومة ) )أي عمل غير مشروع أو مخالف للقانون ـ وأعتقد أن ما فعله هؤلاء الشبان جميعًا لمي خرج عن القانون في شيء. وإذا كان لكل قاعدة شواذ، فإننا نؤيد أي إجراء متشدد يتخذ ضد أولئك الشواذ الذين ينتمون إلى التيار الإسلامي، ويرتكبون ما هو مخالف للقانون ـ في غير ذلك. فينبغي أن يظل الأصل هو الإباحة وليس الحظر. والتشجيع على التدين وليس ملاحقته أو مصادرته.

مثل هذه الوقائع التي وردت في العديد من الرسائل التي تلقيتها خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، تثيرا أمورًا ثلاثة جديرة بالبحث والمناقشة.

ـ الأمر الأول يتعلق بأزمة الثقة القائمة بين أجهزة الأمن وبين المتدينين عامة.

فالشك متبادل ومستمر، والاتهام بات قاعدة وليس استثناء. ونحن نستطيع أن نلتمس أعذارًا للمسؤولين عن أجهزة الأمن فيما يساورهم من شكوك، لأنهم إذا كانوا مكلفين بالتصدي للتطرف والارهاب، فإن الشباب الذي يتورط في مثل تلك الأنشطة إنما يخرج أصلًا من قاعدة المتدينين. وهو ماقد يدفع البعض إلى التحوط وملاحقة أولئك المتدينين، خصوصًا إذا كانوا من الشبان، متصورًا أنه بذلك يستأصل التطرف أو الارهاب في محاضنه ومن جذوره.

إذ في غيبية صيغة مشروعة للعمل السياسي الإسلامي، فإن رجل الأمن يظل يتعامل مع ساحة مظلمة أو معتمة، ولا يتسنى له بسهولة أن يتعرف على الصالح أو الطالح من عناصرها ومكوناتها. وتصبح إحدى البدائل المتاحة أمامه هو الانحياز إلى منطق التحوط والأخذ بالشبهات والشكوك، الذي تكون ضحيته شرائح الشباب التي لا علاقة لها بمخاوفه، وليس لها ي أمر التطرف أو الإرهاب عبر أو نفير.

أي أن رجل الأمن يصبح في موقف حرج، يتحمل بمقتضاه خطأ المعالجة السياسية، حيث مصادرة النشاط السياسي عامة بحق الإسلاميين جميعًا، المعتدلين منهم قبل المتطرفين وبالتالي فإن فرصة ترشيد العمل الإسلامي، وتحقيق الفرز بين فصائله، تظلان غائبتين على الدوام، مما يحير رجل الأمن، ويضطره إلى توسيع دائرة الشكوك، حتى يتولى من جانبه عملية الفرز التي ليست منوطة به.

غير أن هذه لعبة خطرة، ومنزلق يوسع من نطاق التطرف ولا يقصله. الخطورة تكمن في أن ذلك المنطق يفتح الباب لانتهاك القانون وتجاوز ضوابطه، من حيث أن القانون يحاسب على الأفعال وليس على الشكوك والاحتمالات، فضلًا عن أنه من الضروري أن يكون هناك معيار متفق عليه بين الجميع للفصل فيما يجوز أو لا يجوز. وفي إطار العقد الاجتماعي القائم بين الناس والسلطة، فإن القانون يمثل هذا المعيار ـ ولم يقل أحد بأن تترك المسألة تقديرية لعناصر السلطة أو أجهزة الأمن فيها.

الوجه الآخر للخطورة يكمن في أن خطأ التناول السياسي للأنشطة الإسلامية لا ينبغي أن يعالج بخطأ أكبر، يتمثل في انتهاك الحدود الفاصلة بين المباح والمحظور، وإهدار دور القانون بالتالي.

أما كون هذا المسلك يوسع من نطاق التطرف ولا يقلصه، فأحسبه ليس في حاجة إلى تدليل وإثبات. فهؤلاء الذين تلاحق أنشطتهم العادية والمعلنة، يدفعون إلى دائرة العمل السري، والأبرياء الذين يحتجزون لبعض الوقت بدعوى (( التمشيط ) )حتى يتم الفرز، ترشحهم أجهزة الأمن ليكونوا بين صفوف المتطرفين.

لا نستطيع أن نغفل دور الحماقات أو الجنايات التي ارتكبها بعض الإسلاميين في حق المجتمع أو في حق السلطة. والشرطة خاصة (ليس منسيًا حادث الاستيلاء على مديرية أمن أسيوط في سنة 81 ومقتل حوالي 90 ضابطًا وجنديًا بواسطة بعض شباب(( الجهاد ) )) .. لكننا نقول إن تعميم افتراض الحمق أو التجريم على كافة الشباب المسلم ليس من الحكمة في شيء ثم إن التذرع بأي ضرورة كانت لانتهاك نص القانون أو روحه، ليس من العدل في شيء.

ـ الأمر الثاني الذي تثيره الوقائع التي ذكرتها هو الأثر السلبي الذي أحدثه الإعلام الأمني، وشوه كل جهد ينتسب إلى الإسلام، بما في ذلك تحفيظ القرآن الكريم. ذلك أن حملة الاتهام والتشكيك التي ما انفكت تلاحق الإسلاميين ألقت بالشبهات على الجميع، حتى شاع ظن ظالم يحسب أن كل تجمع إسلامي هو بؤرة للتطرف والإرهاب.

أعرف جمعية للسيدات الفضليات ووجهت أنشطتها واتصالاتها بعقبات عديدة، لمجرد أنها تحمل اسم (( التعارف الإسلامي ) ).. وأعرف خبيرًا وهب نفسه وكرس خبرته من أجل التنمية في بلده، التقى بمسئول كبير وعرض عليه فكرة مشروع إيمائي حيوي قوامه صغار المدخرين والحرفيين الملحيين في القرى والمراكز، وقد رحب المسئول بالمشروع وتحمس له للغاية، ولكنه سأل صاحبنا الخبير: وهل من الضروري أن نسميه إسلاميًا؟.

أعرف يقينًا أن هذه المخاوف لا تعبر عن خط سياسي، أو موقف مبدئي من الانتماء إلى الإسلام، ولكن كثافة الحملة الإعلامية على الإسلاميين عبأت كثيرين ممن هم في مواقع السلطة ضد النشاط الإسلامي. تعبئة ظالمة وغير صحية، كان ضحيتها قطاعًا عريضًا من الخيرين والمعتدلين.

ـ الأمر الثالث ينصب على تلك النقطة الأخيرة التي أثرتها، ويتمثل في الحيرة الشديدة التي يعيشها الشباب المسلم الذي يبحث عن طريق مشروع وآمن ليخدم دينه وأهله ووطنه، وتشعره بعض الممارسات الأمنية بأن الطريق أمامه مسدود، وأن عليه أن يلزم بيته وأن يبتعد عن أقرانه، وإلا تعرض لما يكره ولا يتمناه.

والعبارات التي رددتها رسائل هؤلاء الشبان، في هذه النقطة بالذات، تقطر حزنًا وحنقًا. وأكثرهم لا يتردد في القول بأن الدولة ضد الإسلام في حقيقة الأمر، وما حديثها عن التطرف والإرهاب إلى ذرائع تخفي نواياها بينما كتب أحدهم يذكرني بما سبق أن قلة من أنه: إذا أغلق باب الاعتدال، فتلك دعوة ضمنية إلى التطرف، وإذا سدت منافذ الشرعية والعلنية، فلن يكون هناك مخرج أمام الراغبين في العمل سوى الظلام والسرية. وسألني آخر: لماذا تحتاج قراءة القرآن ودراسة كتب السيرة والفقه في المساجد إلى إذن من وزارة الأوقاف وجهاز أمن الدولة؟ ... وقال ثالث: إن مشكلة العمل الإسلامي الآن ليست في المتطرفين وحدهم، ولكن المعتدلين أيضًا يواجهون محنة شديدة!.

ــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت