فهرس الكتاب
(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة( الأحزاب/21.
( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا( الحشر/7.
(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون (التوبة/105.
( يا ايها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون( الصفا/2-3.
(لا تحسبنّ الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب اليم ( آل عمران /188.
تلك مبادئ القرآن في دعوته وتعامله مع الواقع والحياة.. وتلك مبادئ محمد( التي نادى بها، وطبقها سلوكًا وعملًا.. إن مشكلة المبادئ الكبرى التي يواجهها الانسان، هي الانفصام بين النظرية والتطبيق، والفارق بين القول والعمل، فما اكثر ما نقرأ في النظريات والمشاريع السياسية والاجتماعية، وفي متبنى الثورات والمبادئ التي يتقدم بها أصحابها لاصلاح أوضاع المجتمع، وإعادة بناء الحياة، ومعالجة المشاكل.. نقرأ شعارات الحرية وحقوق الانسان، والعدالة الاجتماعية، والحرص على مصالح الأمة وثروتها، ومكافحة الظلم والاستبداد، وإشاعة العفو والرحمة والإحسان.. ولكننا لا نرى من الكثيرين الاّ التنكر للشعارات والافكار المطروحة..
وكم نسمع من الوعاظ والكتاب والمتحدثين باسم الدين، أو الذين يرتدون زيّه المواعظ التي تدعو إلى الزهد والإحسان والتقوى ومكارم الأخلاق، والتجرد من الأنانية، وحينما نطّلع على سلوكية الكثير من هؤلاء الناس ومواقفهم العملية، وتعاملهم الفعلي، نجد البون شاسعًا، والمسافة بعيدة بين القول والعمل.. بل قد يوحي سلوك بعضهم بأنه كان مخادعًا بقوله ومظهره، ليغطي على فعله البعيد عن كل تلك المبادئ والقيم والشعارات بالضجيج الاعلامي، وصناعة الألفاظ.. ولكننا نجد الحق والحقيقة، وتطابق القول والعمل في سيرة رسول الله( وحياته العملية.
إن الانفصام بين النظرية والتطبيق في سلوك الاكثرين من دعاة المبادئ، بل وبعض دعاة الإسلام والوعاظ، وبعض المدعين بالحكم على أساس الاسلام، هو السبب في عدم الثقة بأصحاب المشاريع ودعوات الإصلاح، وبعض المؤسسات والكيانات الاجتماعية والسياسية.. وتكوين الصورة المشوهة للاسلام، لذا حمل القرآن على الذين يقولون ما لا يفعلون، بل ويخالفون مبادئ الإسلام التي يدعون إليها..
وأسوأ من أولئك جميعًا أولئك الذين يريدون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، ويوظفوا جهد غيرهم للمدح والثناء على شخصياتهم، إنهم أدعياء يدّعون بما لم يصدر عنهم ويضيفونه إلى أنفسهم.. لقد حمل القرآن على هؤلاء الأدعياء بالذم والتوعد بالعقاب فقال: ( لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون ان يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسينهم بمفازة من العذاب..( .
لنعد إلى سيرة الرسول( ولندرسها مفردة مفردة فسنجد القول تعبيرًا عن العمل..والعمل تجسيدًا للكلمة، فالرسول( عندما يأمر بالعفو والرحمة، هو مثال العفو والرحمة.. وعندما يأمر بالزهد والتواضع، هو مثال الزهد والتواضع، وعندما يأمر بحسن التعامل مع المرأة واحترامها واعطائها حقوقها، نجده مثال الزوج والأب في التعامل مع أهله وأسرته..
لقد سار التطبيق إلى جنب التشريع والبيان والتبليغ جنبًا إلى جنب طيلة ثلاث وعشرين سنة.. وها هم صحابة رسول الله( يتحدثون عن دعوة العلم والعمل، موضحين سيرة الرسول( العملية في قرن القول بالعمل:
عن عثمان وابن مسعود واُبي: (( إن رسول الله( كان يُقرئهم العشر فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يعلموا ما فيها من العمل، فيعلّمهم القرآن والعمل جميعًا ) )1.
وعن أبي عبدالرحمن السلمي قال: (( حدَّثنا من كان يُقرئنا من الصحابة أنهم كانوا يأخذون من رسول الله( عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل ) )2.
تلك سيرة رسول الله( وذلك منهجه في الحياة: علم وعمل.
وكما هو واضح لدى المسلمين جميعًا أن فعل الرسول( كقوله: سنة وبيانًا للأحكام، وتفسيرًا للقرآن.. فمن يستقرئ سيرة الرسول( العملية يعرف عظمة الاسلام وعظمة الرسول( .. ويؤمن أن الإسلام دين سهل يسير، وأن تطبيقه بمستوى إمكان الإنسان.. وكم سيكون الإنسان سعيدًا لو عمل بتلك المبادئ على مستوى الفرد والمجتمع والمؤسسات والدولة..
البلاغ
نصرة المظلوم والدفاع عن حقوق الإنسان
(إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ((النحل/90) .
بهذه المبادئ جاء القرآن.. إنه يأمر بالعدل والإحسان، وينهى عن العدوان على كرامة الإنسان ونفسه وماله وعرضه.. وجعل مهمة تحقيق العدل وحفظ الأمن مسؤولية الدولة في الإسلام، كما هي مسؤولية كل إنسان في المجتمع.. والرسول( الداعية إلى هذه المبادئ نراه يعمل على الدفاع عن الحق ونصرة المظلوم، كفرد في مجتمع، وكنبي مبلغ للرسالة، وكحاكم منفّذ للشريعة والقانون.
ويحدثنا التأريخ عن موقف انساني فذ فريد للنبي محمد( قبل بعثته، أعطاه القيمة الكبرى بعد البعثة.. وهو موقفه في حلف الفضول..
إن حلف الفضول كان تجمعًا وميثاقًا إنسانيًا تنادت فيه المشاعر الإنسانية، وإضاءة العقول، لنصرة الإنسان المظلوم، والدفاع عن الحق المضيع، لم تحدثه سلطات، ولا قوى دولية، بل أنشأته قوى اجتماعية بدوافع إنسانية، واحساس وجداني عميق بضرورة نصرة المستضعفين والمظلومين.. لنستمع للتأريخ، وهو يروي لنا قصة هذا الحدث الحضاري الكبير في عالم الإنسان:
روى اليعقوبي في تأريخه ما نصه: (( حضر رسول الله( حلف الفضول، وقد جاوز العشرين، وقال بعد ما بعثه الله: حضرت في دار عبدالله بن جُدعان حلفًا ما يسرني به؟ النعم، ولو دعيت إليه اليوم لأجبت ) )3.
ويحدث اليعقوبي عن سبب عقد حلف الفضول فيقول: (( وكان سبب حلف الفضول أن قريشًا تحالفت أحلافًا كثيرة على الحمية والمنعة، فتحالف المطيبون وهم بنو عبد مناف وبنو أسد وبنو زهرة وبنو تيم وبنو الحارث بن فهر على أن لا يسلموا الكعبة ما أقام حراء وثبير وما بَلَّ بحرٌ صُوفة . وصنعت عاتكة بنت عبد المطلب طيبا فغمسوا أيديهم فيه . وقيل إن الطيب كان لأم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب، وهي توأم عبد الله أبي رسول الله، وتحالفت اللعقة وهم بنو عبدالدار وبنو مخزوم وبنو جمح وبنو سهم وبنو عدي على أن يمنع بعضهم بعضًا، ويعقل بعضهم عن بعض، وذبحوا بقرة فغمسوا أيديهم في دمها، فكانت قريش تظلم في الحرم الغريب، ومن لا عشيرة له حتى أتى رجل من بني أسد بن خزيمة بتجارة فاشتراها رجل من بني سهم، فأخذها السهمي، وأبى أن يعطيه الثمن، فكلم قريشًا واستجار بها، وسألها إعانته على أخذ حقه، فلم يأخذ له أحد بحقه، فصعد الأسدي أبا قبيس فنادى بأعلى صوته:
يا أهل فهر لمظلوم بضاعته ببطن مكة نائي الأهل والنفر
إن الحرام لمن تمت حرامته ولا حرام لثوبي لابس الغدر
وقد قيل: لم يكن رجلًا من بني أسد، ولكنه قيس بن شيبة السلمي باع متاعًا من أبي خلف الجمحي وذهب بحقه، فقال هذا الشعر، وقيل بل قال:
يا لقصي كيف هذا في الحرم وحرمة البيت وأخلاق الكرم أظُلم لا يمُنع مني من ظلم فتذممت قريش فقاموا فتحالفوا ألا يظلم غريب ولا غيره، وأن يؤخذ للمظلوم من الظالم، واجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان التيمي. وكانت الاحلاف هاشمًا وأسدًا وزهرة وتيمًا والحارث بن فهر، فقالت قريش: هذا فضول من الحلف، فسمي حلف الفضول. وقال بعضهم: حضره ثلاثة نفر يقال لهم الفضل بن قضاعة، والفضل بن حشاعة، والفضل بن بضاعة، فسمي بهذا حلف الفضول. وقد قيل إن هؤلاء النفر حضروا حلفًا لجرُهم فسمي حلف الفضول بهم، وشبه بالحلف في تلك السنة )) .
إن هذه الوثيقة التأريخية تكشف لنا عن أبرز مبادئ الإسلام الإنسانية على المستوى الدولي، وهي نصرة المظلوم، والدفاع عن الحق، بغض النظر عن دين المظلوم ومذهبه وعشيرته وقوميته ووطنه.. ويعطينا هذا الحلف والميثاق أصلًا قانونيًا، ودليلًا على تنظيم الإسلام للعلاقات الإنسانية على المستوى الدولي، والحث على الاشتراك في المنظمات الدولية الإنسانية التي تعمل على إغاثة المظلومين ونصرتهم، والدفاع عن حقوقهم، ومقاومة الظلم والطغيان في أي بقعة من بقاع العالم.. إن هذه القيم الإنسانية في حقلها الأخلاقي والسياسي لهي من أعظم القيم التي تحتاجها الإنسانية في عالمنا المعاصر، عالم التكتلات العدوانية، وعالم المنظمات المسخرة لخدمة الطاغوت العالمي، والقوى المتسلطة..
إن بامكان كل ذي حس أخلاقي ووعي سياسي، أن يشخص الدور العدواني لمجلس الامن الدولي مثلًا الذي تسيطر عليه أمريكا، وتستخدمه أداة للظلم والاضطهاد، كما كانت قريش الجاهلية تستخدم قوتها وأحلافها ونفوذها لظلم المستضعفين، فاندفع ذوو الضمائر الحرة، والمشاعر الإنسانية النبيلة، والخلق الرفيع لتشكيل (حلف الفضول) لنصرة المظلوم، وإرغام الظالم على انصافه.
وفي موقع آخر يجسد الرسول ( تلك المبادئ سلوكًا وعملًا، فيخف لنصرة المظلوم والدفاع عن حقه، ولم يكن هذا المظلوم مسلمًا، والرسول يومها نبي يحمل الدعوة إلى الناس وينادي فيهم:(( بالعدل قامت السماوات والأرض ) ).
إن لتلك الكلمة الخالدة دلالاتها وعطاءها في كل حركات الإنسان وسكناته.. والدعوة لاقامة العدل هي منهج القرآن، واساس في سيرة الرسول العملية، ومسؤولية الإنسان على امتداد وجوده على هذه الأرض.. وقد قيل قديمًا: الكفر يدوم والظلم لا يدوم .. والثورة على الظلم والطغيان والانتصار للمظلوم قضية تشخصها العقول النيرّة، والمشاعر الإنسانية النبيلة، كما تشخصها الشرائع والأديان..
سجل لنا التأريخ مواقف عملية للرسول( في المرحلة الجاهلية لنصرة المظلوم والمضطهد، قرأناها في موقفه في حلف الفضول، كما نقرأها في موقفه العملي من أبي جهل في بداية الدعوة..يوم كان الرسول( مضطهدًا محاربًا مستضعفًا فلم يمنعه وضعه السياسي والاجتماعي المحاصر آنذاك من الانتصار للمظلوم، والمطالبة بحقه من أعتى طواغيت عصره، وأكثرها عدواة وخصومة له..
لنقرأ ذلك الموقف، ولنتخذه درسًا ومنهجًا في حياتنا الاجتماعية والسياسية، فما أكثر الظلم والمظلومين، وما أقل الواقفين موقف رسول الله( في الدفاع والنصرة، وما احوج المجتمع إلى مؤسسات ومنظمات ومراكز للدفاع عن حقوق المظلومين والمضطهدين.. إن ذلك الموقف الصادر عن الرسول( ومثله الموقف في حلف الفضول يؤكد أن الدفاع عن الحق، ونصرة المظلوم مسؤولية يسأل عنها الإنسان، والقادر على القيام بها تجاه المظلومين والمضطهدين، وبغض النظر عن عقيدة المظلوم أو لغته أو طبقته الاجتماعية أو انتمائه السياسي.. لنقرأ موقف الرسول ( من مظلوم استغاث به لإنقاذ حقه، ولنتأمل في الظروف الصعبة التي كانت تحيط بالرسول( يومها.
نقل ابن الأثير عن سلسلة من الرواة تلك الحادثة فقال: (( قدم رجل من أراش بإبل له إلى مكة، فابتاعها منه أبو جهل بن هشام، فمطله بأثمانها، فأقبل الأراشي حتى وقف على نادي قريش، ورسول الله( جالس في ناحية المسجد، فقال: يا معشر قريش من رجل يعديني على أبي الحكم بن هشام، فإني غريب، وابن سبيل، وقد غلبني على حقي، فقال أهل المجلس: ترى ذلك، يهمزون به إلى رسول الله( لما يعلمون ما بينه وبين أبي جهل من العداوة، إذهب إليه، فهو يعديك عليه، فأقبل الأراشي حتى وقف على رسول الله( فذكر ذلك له، فقام معه فلما رأوه قام معه، قالوا لمن معهم: اتبعه فانظر ما يصنع؟ فخرج إليه رسول الله( حتى جاءه فضرب عليه بابه، فقال مَن هذا قال: محمد، فاخرج، فخرج إليه، وما في وجهه قطرة دم، وقد امتقع لونه، فقال: إعط هذا الرجل حقه، قال: لا يبرح حتى أعطيه الذي له، قال فدخل، فخرج إليه بحقه، فدفعه إليه، ثم انصرف رسول الله( وقال للأراشي إلحق لشأنك.. فأقبل الأراشي حتى وقف على المجلس، فقال: جزاه الله خيرًا، فقد أخذ الذي لي.. ) )4.
إن هذه الحادثة من سيرة رسول الله( العملية تكشف عن انسانية الدعوة ووقوفها إلى جنب الإنسان المظلوم، واستنقاذ الحق، رغم أن الظالم كان من أعتى طواغيت قريش، ورغم العداوة التي كانت بين الرسول وبين أبي جهل، فالرسول( لم يعتذر من الرجل لما يعلم من أبي جهل، بل صحبه إلى دار أبي جهل، ووقف بكل جرأة وشجاعة، بل وتحدٍّ للظالم، يطالبه بحق المظلوم..
والموقف كما يكشف عن مواجهة الظلم والطغيان، فإنه يكشف عن الاهتمام بالآخرين، ومشاركتهم بهمومهم والوقوف معهم لاستنقاذ حقوقهم الشخصية.. فالموقف هو دفاع عن حق، ومواجهة لظاهرة عدوانية في المجتمع.
مقابلة الإساء بالإحسان
ويحدثنا التأريخ عن أخلاقية الرسول( وسلوكه الانساني المتعالي على الحقد والكراهية والعداء، والمعبّر عن سمو الذات وتكامل الإنسانية فيه.. يحدثنا عن تعامله مع خصومه وأعدائه الذين أخرجوه من مكة وخططوا لقتله فأنجاه الله منهم ليلة الهجرة إلى المدينة المنورة..
أولئك الذين فرضوا عليه الحصار قبل ذلك بثلاث سنوات، هو وأصحابه وأعمامه، حتى اكلوا ورق الشجر ونبات الأرض، وعانوا من الجوع والاضطهاد ما يدمي القلب ويحزّ في النفس.. وآذوه أشد الأذى، حتى قال (:(( ما أوذي نبي مثل ما أوذيت ) ).. وأوغلوا في الجريمة والارهاب والعدوان فعذبوا أصحابه أشد أنواع التعذيب، والاضطهاد، وقتلوا صاحبه العظيم ياسرًا وزوجته سمية (رضي الله عنهما) بالضرب والتعذيب، كما قتلوا عددًا من أصحابه في معركة بدر، كمصعب بن عمير وعبيدة وغيرهما، ثم قتلوا عمه العظيم حمزة بن عبد المطلب في معركة أحد، ومثّلوا بجسده أسوأ تمثيل .. ومنعوه من دخول مكة وأداء العمرة في العام الأدلة من الهجرة، وتحالفوا مع اليهود والمنافقين في معركة الأحزاب للقضاء على الدعوة الإسلامية ورسولها ودولتها في المدينة..
ومع كل ذلك كان الرسول ( المثل الأعلى في التعامل الانساني مع أولئك الاعداء، وبالشكل الذي أذهلهم، فما كانوا يتوقعون أن يحسن إليهم بهذا الإحسان، بعد أن عاملوه بتلك الإساءة.. لقد تحدث التأريخ وكتاب السير عن موقف إنساني نبيل للرسول محمد( ننقله عن بعض مصادره، قال المؤرخ الشهير اليعقوبي:(( ..وبلغه( ما فيه أهل مكة من الضر والحاجة والجدب والقحط فبعث إليهم بشعير ذهب، وقيل نوى ذهب، مع عمرو بن أمية الضمري، أمره أن يدفعه إلى أبي سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية وسهل بن عمرو، فامتنع صفوان بن أمية وسهل بن عمر من أخذه، وأخذه أبو سفيان كله وفرّقه على فقراء قريش، وقال: جزى الله إبن أخي خيرًا، فانه وصول لرحمه.. ) )5.
لنقف أمام هذا الموقف الأخلاقي الفريد..
الموقف الذي جسد فيه الرسول( مبادئ دعوته بالإحسان الى من أساء إليه.. جسدها سلوكًا وعملًا.. منطلقًا في ذلك من مبادئ القرآن الذي نادى بدرء السيئه بالحسنة، فقال في ثنائه على من يقابل الإساءة بالإحسان: (ويدرأون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى
الدار( الرعد /22.
وهكذا نقف أمام سلوك انساني معبّر عن أخلاقية الدعوة الإسلامية ورسولها العظيم.. لنقرأ هذا الموقف ولنتأمل فيه للعبرة والموعظة ونحن نتعامل مع من نختلف معهم في الفكر أو الموقف السياسي أو الاجتماعي، ولنقرأ قوله تعالى: ( لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة( .
الشورى في سيرة الرسول(
تشكل السيرة النبوية الصيغة التطبيقية، والمجال العملي للشريعة والقيم التي حملها الرسول إلى الناس في كل حقل من حقول الحياة.. الاخلاقية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها، فهو ( المبلغ عن الله سبحانه، وهو المطبق للأحكام والمنفّذ لها ..
لذا فكل سلوكه شريعة، وكل ما يصدر عنه سنّة تتبّع، سواء القول أو الفعل أو التقرير.. ثبّت القرآن هذا المبدأ بقوله: ( ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا( .
وقوله: ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة( .
من خلال الدراسة والتحليل العلمي للسيرة النبوية في كل مجالاتها وأبعادها نجدها ثروة تشريعية، وهديًا سلوكيًا للانسانية على مدى العصور.. ويبرز مبدأ الشورى في حياة الرسول( السياسية والعسكرية والاجتماعية مبدأ أساسيًا من مبادئ تنظيم المجتمع والدولة والاسرة والمؤسسات.. وبعد التشاور واستطلاع الآراء يكون القرار لصاحب القرار، الذي يحوّل الشورى إلى قرار وموقف بصلاحياته المخول بها..
إن الرسول ( هو الإنسان الأكمل برأيه وعلمه ووعيه، وهو المسدد بالوحي .. ومع كل ذلك فان الله سبحانه قد ثبت له مبدأ الشورى، وأمره أن يشاور أصحابه، ليدربهم هذا المبدأ، وليبعدهم عن روح الاستبداد والتسلط والفردية، وليربي فيهم روح الشعور بالمسؤولية، واحترام الرأي الآخر، والتفاهم مع الآخرين، لصنع القرار المتعلق بالمصير الشخصي أو الجماعي..
ثبّت القرآن هذا المبدأ للرسول الكريم( بقوله: ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضّوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين( آل عمران /159.
ولقد طبق الرسول( هذا المبدأ في حياته العملية، ليكون هذا التطبيق سنة ومنهجًا في حياة الإنسان المسلم بصورة عامة، وفي مجال السياسة والحقول الاختصاصية بصورة خاصة..
وللمزيد من الاستضاءة بهدي السنة فلنلتقط من سيرة الرسول ( موقفين فعليين يعبران عن احترام الرأي الآخر، والتنازل عن اقتراحه والأخذ برأي الآخرين.. حدث الموقف الأول في معركة أحد، أما الموقف الثاني فقد حدث في معركة الخندق، معركة الأحزاب، لكي تتضح لدينا تفاصيل تلك المواقف فلنستمع إلى تقارير المؤرخين وكتّاب السير، وهم يتحدثون عن ذلك:
قال اليعقوبي متحدثًا عن المشاورة التي سبقت معركة أحد: (( وكان رأي رسول الله( ألاّ يخرج من المدينة لرؤيا رآها في منامه: أن في سيفه ثلمة، وأن بعيرًا يذبح له، وأنه أدخل يده في درع حصينة، وتأولها محمد( أن نفرًا من أصحابه يقتلون، وأن رجلًا من أهل بيته يصاب، وأن الدرع المدينة فأشارت عليه الأنصار بالخروج، فلما لبس لباس الحرب ردت إليه الأنصار الأمر، وقالوا: لا نخرج عن المدينة، فقال الآن وقد لبست لأمتي، والنبي إذا لبس لأمته لا ينزعها حتى يقاتل أو يفتح الله عليه فخرج وخرج المسلمون وعدتهم ألف رجل حتى صاروا الى أحد، ووافى المشركون فاقتتلوا قتالًا شديدًا.. ) )6.
..وهكذا يتضح أن رأي رسول الله( هو أن يكون القتال داخل المدينة، لتتشتت قوى العدو، ولتتوفر الحماية لجيشه داخل المدينة وليشترك من يستطيع الاشتراك في إرباك جيش العدو من غير المقاتلين.. وعضَّد هذا الرأي برؤية تأولها بأن المدينة ستكون هي الدرع الحصين التي مدَّ يده فيها.. غير أن بعض أصحابه كان يرى القتال خارج المدينة أفضل من القتال داخلها.. ولحكمة ومصلحة لوحدة المقاتلين استجاب الرسول( لرأيهم، وتنازل عن رأيه، وخسر المسلمون المعركة..
إن هذا الموقف النبوي دليل فذ على احترام الرأي الآخر، والأخذ به، وممارسة الشورى ممارسة عملية، لتكون منهجًا للمسلمين في حياتهم الاجتماعية والسياسية والعملية، كما هي درس للأخذ بالرأي الاصوب، وإن قابله رأي الاكثرية..
ويوم الأحزاب يوم معركة الخندق مارس رسول الله( الشورى السياسية بأجلى صورها.. فقد كان رأي رسول الله( أن يتفق مع بعض قادة الجيش المعادي بإعطائهم ثلث ثمار المدينة في ذلك العام على أن ينسحبوا من جبهة القتال، لتخفيف الضغط العسكري الموجه على المدينة، وقد تفاهم مع إثنين من قادة قبيلة غطفان، المرابطة قرب المدينة فوافقا على ذلك.. ولم يكن رسول الله( وهو الرسول والقائد والحاكم ليستبد برأيه، بل شاور أصحابه في ذلك فحبذوا عدم اعطاء أي شيء من ثمار المدينة، وترك الأمور تجري على وضعها العسكري القائم، فاستجاب رسول الله( لرأيهم، وترك رأيه..
نقل ابن الأثير لنا تقريرًا بتلك الحادثة فقال: (( .. فلمّا اشتد البلاء بعث رسول الله( إلى عيينة بن حصن، والحارث بن عوف المري, قائدي غطفان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عن رسول الله ( فأجابا إلى ذلك، فاستشار رسول الله( سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، فقالا: يا رسول الله( شيء تحب أن تصنعه، أم شيء أمرك الله به، أو شيء تصنعه لنا؟ قال: بل {لكم} رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم، فقال سعد بن معاذ: قد كنا نحن معهم على الشرك ولا يطمعون أن يأكلوا منا ثمرة الاّ قِرىً أو بيعًا، فحين أكرمنا الله بالاسلام نعطيهم أموالنا، ما نعطيهم الاّ السيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فترك ذلك رسول الله( ) )7.
ثم بدأت المعركة وهزمت الأحزاب المجتمعة على حرب رسول الله( بعد أن قتل الإمام علي بن أبي طالب( أبرز أبطالهم عمرو بن عبد ود..
من خلال تلك المواقف والسيرة العملية للرسول( يتجسد مبدأ الشورى في الإسلام، والتنازل عن رأي القائد لرأي الآخرين.. إنه الدرس والعبرة والمنهج السياسي والاجتماعي الذي أراده القرآن والرسول ( أن يكون مبدأً دستوريًا، ومنهجًا عمليًا للحياة، يلتزم بها الحاكم والامة على حد سواء من خلال الاستشارة الفردية، أو المؤسسات والأجهزة الخاصة للشورى والاستشارة، أو استطلاع رأي الأمة في المجالات التي ينبغي أن يؤخذ فيها رأي الأمة.
أخلاقية القائد المنتصر
الغرور والاستعلاء والعجب بالنفس، من اخطر الأمراض الاخلاقية في المجالات الاجتماعية والسياسية والعلمية.. فالمتكبر المغرور يشعر بالاستعلاء على الآخرين واحتقارهم، وعدم الاهتمام بآرائهم وحرماتهم وممتلكاتهم وشخصياتهم وحياتهم.. وهذه العقدة المرضية هي السبب الأول في الاستبداد السياسي، واضطهاد الآخرين..
وتفيد الدراسات النفسية، والروايات الواردة عن الرسول ( وأهل بيته، ودراسات علماء الأخلاق.. تفيد أن التكبر شعور مَرضي يتكون عند الشخص المصاب بعقدة الاحساس بالنقص، فهذه السلوكية المرضية هي محاولة للتعويض عن الشعور بالنقص، وليست ظاهرة تعبّر عن قوة الشخصية، كما قد يتصور البعض..
والرسول( الإنسان الكامل بذاته ووعيه للكون والحياة، هو مثال التواضع، فهو يدري أن كل شيء يسير نحو الزوال والفناء، وأن البقاء لله وحده، والخلود هو في عالم الآخرة.. وأن ما يحققه الإنسان من نصر عسكري أو سياسي، أو تفوق علمي أو اجتماعي، يجب أن يوجه للخير واصلاح البشرية، وليس للعدوان والاستعلاء على الآخرين والانتقام منهم، والتسلط عليهم، فمنهجه الذي حدَّده القرآن له هو: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور( الحديد /23.