فهرس الكتاب
* آمي وتوماس هاريس
1 ـ الأشياء: إننا نشتري ونتابع المشتريات حتى إن كنا لا نستطيع أن نتحرك في منزلنا دون أن نتعثر بصرر وحزم من آخر مشترياتنا إن عددًا لا بأس به منّا هم هواة تجميع، مدمنون، يشترون هدايا، أدوات، فهارس، الخ.. عشاق شراء. وعندما ينفد مالهم يلحسون واجهات المعروضات في المخازن. ماذا يلزمنا كي يكون لدينا ما ينبغي؟ فالأشياء لا تكلفنا ما ندفع من أجلها فقط، إنما الوقت الذي نصرفه من أجلها أيضًا. إن جميع ما لدينا يأخذ من وقتنا حتى إن كنا لا نستفيد منها: فالأشياء يجب أن يزال عنها الغبار وأن ترتب، تصنف، تعلق، تخزن، أو تبوب في جداول أو فهارس، وأن تحمى من الكسر أو العتّ، وأن تؤمّن. ويلزمنا وقت أيضًا حتى لإدانة أنفسنا، كعندما يقع نظرنا على ذلك الشيء الذي دفعنا ثمنه مبلغ (كذا) ولم نستخدمه قط. لكنه هو هنا. وفي كل مرة نراه ـ يا للصفعة! ـ تنتابنا لحظات شعور بالذنب مسروقة من يومنا.
كم من الوقت نصرفه في حثّ أولادنا على الترتيب؟ هل نشعر أننا آباء سيئون لأن أولادنا لا يستخدمون أيضًا جميع ما لديهمظ أوردت صحيفة في مسقط رأسي هذه الجملة لبيل فوغن: (إن طفلًا له ثلاث سنوات هو كائن تسرّه أرجوحة غالية الثمن سرورًا مماثلًا تقريبًا لما يحدثه له اكتشاف دودة ترابية صغيرة) .
قد تجلب الأشياء الصغيرة سرورًا أعظم من الكبيرة. إن أحد كتبي المفضلة (الأفكار) لبسكال. يضمّ مجموعة من الخواطر البعيدة المرمى. إن كل جملة فيه تكتفي بذاتها. قال ت.س.ايليوت عن باسكال: (كان ذهنه فاعلًا أكثر مما هو مجمّعًا) . هل ذهنك فعال؟ هل الأغراض التي تشتريها تنشط حياتنا الذهنية أو أنها تكتفي بالتجمع كالغبار على رفّ؟ هناك مكان للجمالية، للجمال في ذاته، للوحة فنية على الحائط أو للزهر على طول الطريق. إننا لا نقلل من البهجة التي يحدثها الجمال، إلا أننا نتساءل إن كان ما نشعر به بهجة فعلًا. بنسبة ما ندفع من زماننا، هل المشتريات القادمة التي عزمنا على شرائها تساوي ذلك الزمن؟ أعطتنا الجواب اليزابيت الأولى في كلماتها الأخيرة: (جميع ما أملك لبضع ثوان) .
2 ـ البلبلة: السؤال المهم الذي علينا أن نطرحه على أنفسنا ليس معرفة فيما إن كانت لدينا مشاكل، إنما إنك ان ما لدينا اليوم من مشاكل هي نفسها التي كانت لدينا في العام الماضي وفي الفترة نفسها. إن كانت الحال كذلك فكم من ساعات من السنة التي مضت أضعنا في تعذيب أنفسنا بشأنها؟ ألا نستطيع أن نتخذ على الأقل بعض المقررات، وأن ننتقل إلى شيء آخر؟
في وسعنا أن نقلل اختياراتنا. إحدى أكبر فوائد الأسفار هي أن في خزانة غرفة الفندق لا يوجد غير لباسين أو ثلاثة ممكنة. لا يقتضيك غير ثوان لتقرر الثياب التي سترتديها. فعندما نحزم حقائبنا فإن اختيارنا محدد بحجم حقائبنا. الخزائن في المنزل تثير لدينا مشاكل أكثر. كم في خزائنك من ثياب لم ترتدها منذ ما يزيد على عشر سنوات؟ هل عندك منها بمختلف المقاسات تبعًا لتقلب وزنك؟ ربما يجب عليك أن تتخذي قرارًا في موضوع وزنك؟ هل تحتفظين بحذاء يوجع رجلك ولم تنتعليه أبدًا لأنك لا تتحملين فكرة رمي عرض دفعت ثمنه غاليا؟ً هل تنتعلينه معذبة لتبرري وجوده الدائم في خزانتك؟ من قال أن عليك أن تجتازي العمر يلازمك ألم في رجلك؟ تخلصي من الحذاء الذي يؤلمك، اختاري ثياب الأربعاء في مساء الثلاثاء. من العبث أن تبدئي يومًا جديدًا مترددة بين اللون الرمادي واللون البيج. قدّري. عندما تترددين في ارتداء ثوب، أعطيه. وهذا يُسعد شخصًا ما، وأنت تستريحين.
قديمًا كان على حائط مكتبي لوحة تقول: (مكتب مرتب جيدًا ذهن مشوش) . لم يكن ذلك سوى عقلنة محضة. الركام معناه عمل لم يتم. كم مرة تمر قطعة الورق نفسها بين يديك؟ كم من قطع ورق مبعثرة على مكتبك؟ ربما إنك تحتاج إلى نظام. ربما إنك لا تعرف أن تفوض بمهماتك أو أن تطلب المساعدة، وتعيش عندئذ حسب الوصية الحادية عشرة التي تقول: (ستصنع كل شيء بنفسك) . إن عدد الساعات في يومك بقدر ساعات يوم رئيس الجمهورية. لا يمكن حكم بلد دون تفويض السلطات. لماذا لا يمكنك أنت؟
3 ـ إنك لا تعرف قول لا: تضيع أيام وأسابيع في مهما كان علينا ألا نقبلها. عرفنا منذ البدء أن ليس أمامنا الوقت وأننا لا نريد تأديتها، وأن لدينا خمسين التزامًا آخر قد قبلناه وعلينا تنفيذه. إن إحدى أفضل الوسائل لإلغاء هذه العادة في قول نعم دائمًا، في الهاتف على الأقل، هو أن تقرر عدم اتخاذ قرار في الحال. قد يقتضيك بعض الوقت للقول: (سأراجع جدول مشاغلي وسأفكر. سوف أتصل بك) . لكنه لا يوازي وقت تأدية مهمة كان يجب ألا تقبلها أبدًا.
4 ـ إنك لا تعرف أن تقاطع الناس: يمكن للتهذيب أن ينخر أيامك. هل سبق لك أن أصغيت إلى محادثة طويلة ذات اتجاه واحد تنصبّ بلا توقف كدفق الملهاب، وأنت تعرف منذ البدء أنك قد تأخرت عن موعد؟ نستطيع تعلّم مقاطعة محدثينا دون أن نكون أفظاظًا. وهذا على كل حال أفضل من أن نقول ذلك بنفاد صبر بجسمنا الصارخ بالغضب.
5 ـ تنفير الأحاسيس: هناك دائمًا سبب ليفعل الناس ما يفعلون. إنهم يبحثون غالبًا، تعبين ومهمومين، عن تسلية في الترضية المؤقتة، لاتي تحرمهم من الشيء الوحيد الذي يشعرهم بتحسن، ألا وهو المداعبات. إن تلك المؤسسة الأميركية الحقيقية التي هي الكوكتيلات تتوصل إلى إضعاف التبادلات أسرع من أي من طقوسنا الاجتماعية. فحين نكون شرهني للمداعبات، كما نحن عليه جميعًا تقريبًا. من السخرية أن نقضي وقتًا سوية في تنفير أحاسيسنا في أسرع ما يمكن: (ماذا أقدم لك؟) هو السؤال الذي يستقبلك منذ الباب أكثر من: (كيف حالك؟) . في إنكلترا يقدّم (الشيري) ، مع شيء من التحفظ في كؤوس صغيرة. قد تدفئ جرعة شيري القلوب وتريح الأعصاب التعبة بعد يوم عمل. لكن كم جرعة يلزمنا؟
أمضت سيدة منزل أسبوعًا تهيئ وليمة حقيقية، والحليمات الذوقية لجميع ضيوفها مخدرة بالكحول. يا للتبذير! أذكر أيامًا من طفولتي نستقبل فيها الضيوف كنا لا نقدم فيها الكحول. فالاجتماع يكفينا. تجري المحادثة مجراها الطبيعي. إن كوننا مجتمعين معًا، حتى الصمت، وكل شيء مستحسنًا في ذلك التجمع الجالس في الدفء مصغيًا لنفيق الضفادع العذب، وفي بعيد صفير القطار مخترقًا الجبال. لم يحتج أحد إلى (مزيل للانقباض) . وعندم كان أحد ما يتكلم، مهما كانت سنّه، من العمّة الكبيرة الى طفل كان كل واحد يصغي.
عندما نقتل الأحاسيس نقتل الوقت. كم من سهرات ضائعة ومحادثات منسية ومداعبات غير ملحوظة عندما يرد الناس، رويدًا رويدًا، نسيانهم! يرى بيرن أن الناس يشربون لينقصوا مراجعة الأبوين وليسمحوا للطفل أن يخرج، ويلعب. إن الأبوين، حسب رأيه، أول مَن ينسحب. إنا نعتقد أن الشخصيات لاثلاث متضررة بالكحول في آن واحد. وأن عمل الراشد يضعف أيضًا، ويفضي إلى نتائج مدمرة غالبًا. إذ أن المحاكمة تتشوه. والطفل، دون حماية، يجب أن يشعر بارتياح، لكنه يشعر بالضر في اليوم التالي من جراء ما قال أو فعل أو نسي. إن خير وسيلة للتحرر من إكراه الأبوين هي التقصي. والذين يتعاطون المخدرات هم أيضًا مخبولون، وغالبًا ما يتصرفون كالبهائم. يمرحون وينتشون، ويشبه تواصلهم مصبًا، لا شيء في أعلى. لا تسمع مساهمات الآخرين. ولا تسجل فيما بعد أي تبادل لأية مداعبة.
6 ـ التلفزيون: دلّت دراسة حديثة أن اجهزة التلفزيون تشعل، في الولايات المتحدة، سبع ساعات يوميًا، وهكذا فساعات الاستراحة الثماني تذهب! حتى إن اعترف للتلفزيون بجوانب يمكن أن تكون حسنة، فهو يريح، يسلي، يربي، إلا أنه لا يوفر مداعبات أبدًا. إننا ننظر فيه إلى أناس لا يهتمون بنا، إننا ننظر إلى علبة كبيرة جامدة. وما هو محزن هو رغم حبنا للممثلة الجميلة فإن الممثلة الجميلة لا تستطيع أن ترد علينا حبنا. لقد أمسَت المسلسلات، بالنسبة لبعض الناس، أكثر حقيقة من حياتهم الخاصة. قال لنا رجل إنه لا يتأثر بالتلفزيون، وعندما سئل عما يستعمل من معجون الأسنان سمّى صنفًا. ولما سئل عن سبب اختياره لهذا الصنف، أجاب: (لأني لا أستطيع أن نظف أسناني بعد كل طعام) وبذلك أجاب بكلمات الدعاية لذلك الصنف بالضبط.
إن إحدى أخطر مشاكل التلفزيون هو أنه يسرق منا فرصة أن نخلد إلى أهم وظائف الذهن البشري: الخيال. عندما نشاهد التلفزيون إنك في التجربة، وعمل الذهن التخيلي واقف. الصورة هي هنا من أجلك. إن عمل الخيال واحد من أهم الأفعال في تطور ذهن الأطفال. فلا يلزمه أكثر من ذراعي مكنسة وشجرة وغطاء ليبني بيتًا على العشب. يمكن أن يكون في تصوره قصرًا أو مغامرة قاطع طريق أو بيت لعبة. إن من العسير أن نتصنع، أن نتظاهر بمظهر اللامبالاة الخادع، عندما يأسر حواسنا ما يصدر عن محطة التلفزيون. فعندمًا تقرأ كتابًا أنت تضيف شيئًا إلى التجربة، تتخيل البطل أو الشرير، تلبسهما من ذخيرتك الخاصة الغنية من تجارب ماضية. ألم يسبق لك أن خيّبك فيلمًا مأخوذًا عن كتاب كنت قد قراته؟ هل تماثل الصورة تلك التي رسمتها في رأسك؟
ليس المقصود شنّ حرب كلامية على التلفزيون، إنما التحذير من تلك الطريقة في المشاهدةدون التفكير فيما يجري على الشاشة. إن ثمة وقاية جيدة ضد سموميّته في أن تختار في الجريدة الرامج التي ترغب في مشاهدتها وأنت تفكر في الطريقة التي تستطيع أن تمضي وقتك بطريقة مرية إن كنت تودّ ذلك.
7 ـ استخدم أفضل فتراتك في مهمات تابعة: أية ساعات من نهارك هي الفضلى والأكثر إبداعية؟ إنها تقع للعديد من الناس في الصباح. هل تمضي إذن نصف صبيحتك في قراءة الجريدة، بينما تستطيع أن تخلق الحادث أنت نفسك؟ ضعها جانبًا إلى فترة أخرى، عندما تحتاج إلى الاسترخاء وإلى وقفة. ستنتظرك الأنباء. أما إذا استبدت بك العادة فألقِ نصرة على الصفحة الاولى وأبقِ الصفحات الأخرى إلى فيما بعد. إن لك الخيار.
8 ـ تفويت المناسبة: عندما تطلب زيادة من رب عملك أو معروفًا من قرينك فنجاحك منوط باللحظة المختارة. لن يجديك شيء حين تزين التماسك بأبهى ما عندك إن لم تختر اللحظة المناسبة لقديمه. إن معنى الوقت المناسب يأتي مع الوعي بالآخرين. عندما يكون الآخر على عجلة من أمره، ومنهمك، ومنكد، فإن طلبك، مهما يكن معقولًا، يتعرض ليكون آخر قطعة ثلج التي تكسر غصن الشجرة.
9 ـ بيت منزّه عن الشوائب: إن تنظيف البيت ـ كما قالت لنا إيرما بومبك ـ كضمّ اللآلئ في خيط ليس في نهايته عقدة. بوكمنستر فوليه، العاكف علىم داعبة صلب البقرات المقدسات على الدوام، يقدم لنا هذا الوصف لأميركا في بيوتها:(إني أتصور أن اليوم يتقطع إلى مهمات روتينية لأن النظافة تأتي مباشرة بعد القداسة في المصورات الشعبية. ساعة ونصف لغسل أواني الطعام، وساعةونصف مكرسة لغسل الثياب والمناشف وأغطية الأسرة، وساعة واحدة لتنظيف البيت وترتيبه، وساعة واحدة للتغسيل والتزيين الشخصي، وساعتان لإعداد الطعام يتخلل ذلك كله ساعة راحة لظهرك المتوجع. ونصل إلى الساعة الثامنة المكرسة لأوساخ البارحة لنتلافى أن تصير تلك الأوساخ قذارة اليوم وأمراض الغد. وفي تلك الساعات الثمان المكرسة لتنظيف أوساخ الأمس، لا وجود لفعل واحد بنّاء، ولربح واحد، ولا لأي تحسن في مستوى الحياة.
إني أتصور أنه يلزم يوم سابع ليكرّس للراحة ولكثير من الصلوات والمواعظ والمزامير للاحتفاظ بمرح وظرف الأم ـ سيدة ـ البيت التي تنقل مهارتها تدريجيًا إلى الجيل التالي).
سواء أكنا متفقين أو غير متفقين مع تصريحات فوليه ـ ينبغي أن يغسل أحد ما البلاط ـ علينا أن نطرح على أنفسنا سؤالًا مهمًا: هل لنا الخيار؟ أليس هناك من وسيلة أخرى لتنفذ تلك الأشياء؟ لقد دلّ استقصاء أن 84 في المئة من النساء اللواتي يشتغلن خارج بيوتهن يهتممن وحدهن تقريبًا ببيتهن وأسرتهن. أضف إلى الاستخدام الكامل للوقت، الساعات المكرسة لتنظيف أوساخ السهرة، وتلقى امرأة متعبة جدًا. ليس أمامها أية فسحة للترويح عن النفس. ومع ذلك ينبغي أن نتذكر أن الناس الذين لا يجدون وقتًا للاستراحة يجدون، إن عاجلًا أو آجلًا، الوقت ليقعوا مرضى.
10 ـ لا تشغل بالك بهموم تتعلق بسنك: يمكن للتجاعيد أن تقتلك، إن كنت تعاني عللًا في معدتك، كلما نظرت إلى المرآة. التجاعيد تروي حكايتنا. شأنها شأن الندبات التي تخبرك عن أمور كثيرة مفيدة. إنك جرحت والتأم جرحك. تظهر الصور الأخاذة لأكبر المصورين، بجلاء وبأضواء متباينة المنطقة المصابة بحادث في الوجه البشري. هل من الإنصاف أن يكون للرجال تجاعيد ولا يكون للنساء منها؟ أيّ ضرّ في أن نكون من نكون؟ لا أريد أن أقول إن مظهرنا لا أهمية له. إن مظهرًا صحيحًا هو بيان سياسي وتعبير عن احترامنا لأنفسنا أو عدم احترامنا لأنفسنا. إن في هذا المثل السائر شيئًا من الحق: (لن تعطى أبدًا حظًا ثانيًا كي تقدم انطباعًا مواتيًا) .
11 ـ السهر متأخرًا: يحتاج جسمك إلى حياة نظامية. نستطيع في سهرنا أن نربك جسمنا كما لو أننا اجتزنا عدة مناطق زمنية. وكما قال الدكتور تروبلود: (العيش على مخزوننا بعد أن ينفد) .
إنك تعطي انطباعًا أوليًا أفضل لو كنت يقظًا.
ــــــــــــــــــــ