فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 14752 من 35630

قال الله تعالى: {وإن تُبدوا ما في أنفسكم أو تُخفوه يُحاسبكم به الله...} . (البقرة/284)

ما من شيء في عالم الإنسان يتصف بالكمال المطلق، وكل شيء في حياته يحتاج إلى المراجعة والتنقيح والتصحيح والتسديد، ليخلص من الشوائب والنواقص والعثرات وأسباب الضعف والتخلف.

والتسليم بهذا المبدأ، مبدأ الاعتراف بالنقص، وعدم توفرّ الكمال في عالم الإنسان، هو الضمانة الأولى لتحقيق التكامل والنضج والاستقامة، فعندما يسلّم الإنسان أنه لابد وأن يخطئ، وانه ليس بمستوى الكمال في كل فعل وموقف، ولابد وأن تصدر عنه الهفوات والزلات، ويقع في الخطأ والقصور بسبب الجهل، أو هوى النفس ونزغ الشيطان، أو القصور وعدم القدرة على إدراك الحقيقة، أو تحقيق الكمال، فإنه يثبت الأساس والمنطلق في مسيرته التكاملية.

أما المغرور الذي لا يسلّم بقصوره الإنساني، أو تقصيره، فسوف لن يرضى بالإشكال عليه، ولن يخضع نفسه للمحاسبة والنقد الذاتي، وسيبقى موطنًا للأخطاء والهفوات والتخلف، بعيدًا عن السير التكاملي، والمستوى الأخلاقي والعلمي اللائق بالإنسان.

إن محاسبة الإنسان لنفسه على خطئه وتقصيره بحق الله والناس ونفسه، علامة صحة في تفكير الإنسان ودليل يقظة ضميره وحسه الأخلاقي.

لقد اعتنت الرسالة الإسلامية كثيرًا بتربية هذا الجانب المهم في شخصية الإنسان، جانب النقد والمحاسبة الذاتية، وقبول ذلك ممن يوجهه إليه، في مجالات كثيرة من كتاب الله والسنّة المطهرة.

فقد دعت المبادئ والقيم الإسلامية إلى محاسبة النفس والإحساس بالمسؤولية، وحثت الإنسان على أن يراجع نفسه، ويقف وقفة تأمل معها، يراجعها ويحاورها، ويشكل عليها إشكال الخصم المتهم، وينقدها نقد الناصح الأمين، ويغور إلى أعماقها ومداخلها المعقدة التي تحاول الإخفاء والاستخفاء واصطناع الأعذار والمبررات والمدافعة والمغالطة.

إن من أخطر الحالات التي يواجهها الإنسان في حياته العملية والفكرية، هي: حالة اعتبار كل ما يصدر منه حسنًا، ومتفوقًا ومتكاملًا، غير قابل للمناقشة، ولا نقص فيه، مما يدفعه إلى المغالطة والدفاع عن الخطأ، والإصرار عليه.

وبدافع من الجهل أو التكبر والعناد، فلا يقبل المحاسبة، ولا يستمع للنقد البناء الذي يوجه إليه.

وقد تحدث القرآن عن تلك الظاهرة الاجتماعية السيئة التي واجهت الدعوة الإسلامية في حياة الرسول الكريم محمد (ص) ، وصدّت الكثيرين عن الهدى، وعرض تلك الحالات كنماذج لوضع نفسي وأخلاقي معاكس للطريقة العلمية والاستقامة الأخلاقية والصحة النفسية.

قال تعالى:

{ومِن الناسِ مَن يُعجِبُكَ قَولهُ في الحياةِ الدُنيا ويُشهِدُ الله على ما في قَلبهِ وهو ألدُّ الخصام * وإذا تَولّى سَعى في الأرضِ ليُفسِدَ فيها ويُهلِكَ الحرثَ والنّسل واللهُ لا يُحبُ الفَسادّ * وإذا قيلَ لهُ اتّقِ اللهَ أخذتهُ العزةُ بالإِثمِ فَحسبُهُ جَهنُم ولَبِئسَ المِهاد} . (البقرة/204ـ206)

فذلك نموذج من نماذج الإصرار على الخطأ والباطل، وعدم التنازل عن الموقف والفكرة والطريقة التي ألفها أو اختارها لنفسه.

ويتطابق هذا الموقف، وذلك النموذج البشري مع نظيره، الذي زين له الشيطان عمله فرآه حسنًا:

{أفَمَن زُيِّنَ لهُ سوءُ عَملهِ فرآهُ حَسنًا فإنّ الله يُضلُِّ مَن يشاءُ ويهدي من يشاءُ فلا تذهَب نفسُك عليهم حَسراتٍ إنّ الله عليمٌ بما يَصنَعونَ} . (فاطر/8)

إن الإنسان قد يُعرّض لعملية خداع وتضليل باطني، تستحكم في العقل الباطن أو في أعماق الذات، أو يصور له من يحيطونه ويؤثرون على صنع قراره، ومواقفه وسلوكه وتعامله مع الناس، وعلاقته مع الله سبحانه، فيرى سوء عمله وتصرفه وقصور رأيه، وتخلف قراره أمرًا حسنًا، وشيئًا متفوقًا، بسبب تلك المؤثرات الذاتية أو الخارجية غير الواقعية، فيصر على الخطأ، ويدافع عنه، فيرى ما صدر عنه بعين الرضى، وبمستوى النضج والكمال، ويلجأ إلى المبررات والمدافعة ومخادعة النفس ومحاولة إقناع الآخرين، حتى كأن الشاعر يصور لنا لوحة نفسه المشوهة وهو يردد شعره:

وعين الرضى عن كل عيب كليلة *** ألا إن عين السخط تبدي المساويا

فهو يفعل كل ما يتصور أنه مقنع لنفسه، وللآخرين بصحة رأيه وسلامة موقفه، وتصحيح قراره، ولكنه يبتعد عن قبول النقد وإعادة التقويم والحساب، ومراجعة النفس على ضوء الواقع والموازين الأخلاقية والشرعية والعقلية.

وينبه القرآن على خطورة النوازع الشيطانية التي تساهم في التأثير على الموقف والقرار، والاتجاه العام للإنسان، ويدعو إلى استماع كلمة النصح والنقد والرشاد، ويؤكد للإنسان المغرور، الواقع تحت تأثير المغالطة والمكابرة، إن العزة وقوة الشخصية والقرار، ليست في الإصرار على الخطأ، بل بقبول الحق، والتطابق مع الحقيقة، والاستماع إلى كلمة الرشاد:

{ مَن كانَ يُريدُ العزةَ فللهِ العزةُ جَميعًا إليه يَصعَدُ الكَلِمُ الطيبُ والعملُ الصالحُ يرفَعهُ والذينَ يَمكُرُونَ السَيئاتِ لهُم عذابٌ شديدٌ ومَكرُ أولئِكَ هوَ يَبُورُ} . (فاطر/10)

{للهِ ما في السماواتِ وما في الأرضِ وإن تُبدوا ما في أنفُسكم أو تُخفُوهُ يُحاسِبكُم بهِ اللهُ...} . (البقرة/284)

ولقد جعل الله الإنسان رقيبًا على نفسه، ومقومًا لها، وازنًا لحقيقة أفكاره ونواياه وأفعاله عندما خاطبه بقوله:

{بَل الإنسانُ على نَفسهِ بَصيرةٌ * ولَو ألقى مَعاذيرَهُ} . (القيامة/14ـ15)

قال الطبرسي في تفسير هذه الآية:

[ { بل الإنسانُ على نَفسهِ بَصيرة} أي أن جوارحه تشهد عليه بما عمل، فهو شاهد على نفسه بشهادة جوارحه عليه، عن ابن عباس وعكرمة ومقاتل، وقال القتيبي أقام جوارحه مقام نفسه ولذلك أنث لأن المراد بالإنسان هاهنا الجوارح، وقال الأخفش هي كقولك فلان حجة وعبرة، ودليله قوله تعالى: {كفى بنفسك اليومَ عليك حسيبًا} ، وقيل معناه أن الإنسان بصير بنفسه وعمله، وروى العياشي بإسناده عن محمد بن مسلم، عن أبي عبدالله (ع) قال: ما يصنع أحدكم أن يظهر حسنًا، ويسرّ سيئًا، أليس إذا رجع إلى نفسه يعلم أنه ليس كذلك؟ والله سبحانه يقول: {بل الإنسانُ على نفسهِ بَصيرة} ، إن السريرة إذا صلحت قويت العلانية، وعن عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (ع) أنه تلا هذه الآية، ثم قال: ما يصنع الإنسان أن يعتذر إلى الناس خلاف ما يعلم الله منه، إن رسول الله (ص) كان يقول: من أسرّ سريرة ردّاه الله رداءها، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، وعن زرارة قال: سألت أبا عبدالله: ما حد المرض الذي يفطر صاحبه؟ قال: بل الإنسان على نفسه بصيرة، وهو أعلم بما يطيق، وفي رواية أخرى: هو أعلم بنفسه ذاك إليه. {ولو ألقى معاذيره} أي ولو اعتذر وجادل عن نفسه، لم ينفعه ذلك. يقال معذرة ومعاذر ومعاذير، وهي ذكر موانع تقطع عن الفعل المطلوب، وقيل معناه ولو أرخى الستور وأغلق الأبواب، عن الضحاك والسدي، قال الزجاج: معناه ولو أدلى بكل حجة عنده، وجاء في التفسير: المعاذير الستور، واحدها معذار، وقال المبرد هي لغة طائية والمعنى على هذا القول: وإن أسبل الستور ليخفي ما يعمل فإن نفسه شاهدة عليه] (2) .

لقد ثّبت رسول الله محمد (ص) ، الهادي والمربّي، والمثل الأخلاقي الأعلى للإنسان المسلم، مبدأ المحاسبة، ونقد الذات وتقييمها، لأن الإنسان تصدر عنه الأفعال والأفكار، وتختلج في نفسه النوايا والمقاصد، والإسلام يريد أن يصحح النية والقصد الإنساني، وينقيه من الشوائب والانحرافات، فقد روي عن رسول الله (ص) قوله:

(ألا أُنبئكم بأكيس الكيِّسين، وأحمق الحمقاء، قالوا: بلى يا رسول الله(ص) ، قال: أكيس الكيِّسين من حاسب نفسه، وعمل لما بعد الموت، وأحمق الحمقاء من أتبع نفسه هواه، وتمنى على الله الأماني) (3) .

إن الرسول الكريم (ص) يصف المحاسب لنفسه بأنه كيّس (*) ، يستخدم عقله ووعيه لتقويم سلوكه، وتوجيه مساره في الحياة، لأنه يُخضع ما يفكر به، وما يصدر عنه، للنقد والتقييم، فيصون نفسه من الخطأ والتقصير وتبعات المواقف ونتائجها السلبية الضارة.

ويصف من لا يراقب سلوكه وانفعالاته، ويندفع وراء هوى نفسه، بأنه أحمق (*) لا يستخدم عقله، ولا يقاوم نزغات الشيطان، ونزغات الشر، وأسباب التخلف والتقصير في حياته اليومية، تاركًا عمل الخير والاستعداد لعالم الآخرة، إلى خداع النفس والعيش على الأماني الكاذبة، والأوهام الخداعة.

ويشخص الرسول الهادي محمد (ص) للإنسان حقيقة أخرى، يلفت نظره إليها، ويحذره منها، وهي: أن الإنسان إن لم يحاسب نفسه على تقصيره وخطئه، فإن الله يحاسبه، والناس يحاسبونه، والقانون يحاسبه، ويسأله الجميع على تقصيره وإساءته، وسيتحمل نتائج ذلك ومسؤوليته، وعندئذ سيجد نفسه في قفص الاتهام، يقف أمام أسئلة كثيرة، لا يملك لها جوابًا مقنعًا ومقبولاُ.

إنه لو اخضع نفسه وعمله للحساب، ووقف وقفة تأمل، وخلا بنفسه، أو بمن يثق به من الأهل والأصدقاء والناصحين له، وقيّم عمله ومواقفه، وسلوكه، لاستطاع أن يكتشف نقاط الضعف، ويشخص مواطن التقصير فيعالجها.

الرسول (ص) يقدّم النصيحة في مبادئ التربية والتنظيم الدقيق لمسيرة الإنسان وسلوكيته ومواقفه، عندما يقول له:

(حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزنوها قبل أن تُوزنوا، وتجهزوا للعرض الأكبر) (4) .

بل وجاء عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع) أن أولئك الذين سيطر عليهم الغرور، وأعجبتهم فعالهم حمقى، قد ركبهم الغرور، وغاب عنهم العقل والرشاد، لذلك استبعدهم عن الجماعة المؤمنة، ونزّه الشخصية الإسلامية عن هذه السلوكية المترديّة، فقال:

(ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم، فإن عمل حسنًا استزاد الله، وإن عمل سيئًا استغفر الله منه وتاب إليه) (5) .

إن من صفات المؤمن هي محاسبة النفس، وإجراء التحقيق المستمر معها، ذلك لأن المحاسبة عبارة عن عملية تنقيح مستمرة للشخصية، وإعادة بناء الذات.

ولقد اعتبر الرسول الكريم محمد (ص) الاعجاب بالنفس والاقتناع بما يصدر عنها من فكر وعمل وممارسة دون التوقف، والنقد والمراجعة والتنقيح، اعتبر ذلك من أسباب الهلكة والتردي، فقال:

(ثلاث مهلكات: شحّ مطاع، وهوى متّبع، وإعجاب المرء بنفسه) (6) .

ونصح الإمام محمد بن علي الجواد (ع) المؤمن بقوله:

(المؤمن يحتاج إلى توفيق من الله، وواعظ من نفسه، وقبول ممن ينصحه) (7) .

فالفرد والجماعة في أعمالهم الفردية والجماعية ـ سواء كانت في مجال النشاط الفردي أو التعبدي أو الاجتماعي أو السياسي أو الفكري ـ إذا سيطر عليهم الغرور، واستمروا في عملهم دونما نقد للذات ومحاسبة للمواقف، سيقودون أنفسهم إلى الهاوية والهلاك.

ويسوق القرآن الكريم بشراه إلى الذين يتعاملون بقلب منفتح، وعقل واع، ووضع نفسي سليم، مع كلمة الخير التي تأخذ بيد الإنسان، وتهديه سبيل الرشاد، وتنجيه من الهلكة، والضياع والتردد والتخبط الفكري والأخلاقي والسياسي والاجتماعي... الخ.

{فَبشِّر عبادِ * الذينَ يستَمعونَ القولَ فيتّبعونَ أحسنهُ أولئكَ الذينَ هداهُمُ اللهُ وأولئكَ هُم أُولو الألبابِ} . (الزمر/17ـ18)

ومن الخطأ الذي يقع فيه كثير من الناس، هو كراهية سماع ما يُظهر نقصهم أو تخلفهم وخطأهم وسقوطهم، لذلك فهم يميلون إلى من يزيّن لهم عملهم، ويكيل لهم المديح والثناء بغير حساب، وينفرون ممن يوجّه إليهم النقد البنّاء، والتقويم السليم، ويقدم لهم النصح.

إن الذين ينقدوننا نقدًا بناءً هم الناصحون، وهم الذين يساهمون بتسديد خطئنا، وتقويم سلوكنا وعملنا الشخصي أو السياسي والاجتماعي والثقافي... الخ.

أما الذين يغفلون حالة الملق والتزلف والإنتهازية بالمديح والثناء المفتعل، فهم عنصر هدام، ودخان يحجب العيون عن رؤية الحقيقة، فينبغي للعاقل أن يفتح قلبه ونفسه لسماع نقد المخلصين، وأن يستفيد من نقد الخصوم وإثاراتهم وطعونهم ليحصّن نفسه، وينقح سلوكه وأفكاره ومواقفه في كل مجال يوجه إليه النقد فيه.

قال الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) :

(أحبُّ إخواني إليّ من أهدى إليّ عيوبي) (8) .

وللنقد والمحاسبة آدابها وأصولها الأخلاقية والإنسانية، ومن أبرز تلك الآداب والأصول أن يكون الناقد مخلصًا وموضوعيًا وأمينًا ومحبًا للخير ولمصلحة الآخرين، الذين يوجه إليهم النقد.

فالنقد أداة ترشيد وتقويم، وعامل بناء وتسديد للإنسان وتصحيح لمسيرته، وليس أداة للهدم والتخريب والتوهين واسقاط الشخصيات والجماعات والاتجاهات السليمة.

فالإنسان الناقد يجب أن يتصف بالصدق والإخلاص والموضوعية، ويبتعد عن التهريج والإثارة الهدامة وإرباك الآخرين والتشكيك بهم.

وينبغي للناقد أن يتناول المواقف والقرارات والأفكار والآراء بأسلوب علمي، وبنقد موضوعي يساعد الآخرين على رؤية النواقص، وتشخيص الضعف والتخلف والخطأ، وتلمّس طريق الصواب والتغيير، والتحرك نحو التكامل، وليس التشهير والطعن وكشف النواقص الواقعية أو المتصورة في ذهن الناقد بشكل مثير وهدام، فإن ذلك الأسلوب ليس من أساليب النصح والتسديد، بل هو من وسائل الهدم والتخريب، وتضييع الحقيقة والجوانب الإيجابية في الشخص أو الجماعة التي يوجه إليها النقد، بإثارة الغبار والتشكيك من خلال نقاط الخطأ أو التقصير، بحيث لا ترى إلا نقاط الضعف والقصور والصورة الشوهاء التي يصورها الناقد الهدام.

إن القرآن يؤكد وجوب الالتزام والانضباط الأخلاقي عند التقويم والنقد والمحاسبة، ويعد القول السديد من التقوى والتكامل الأخلاقي:

{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا} . (الأحزاب/70)

في الوقت الذي ينهى فيه عن تضييع الجوانب الإيجابية، ومجالات القوة، والمواطن المضيئة، والحسنات والسلوكية البناءة وإهمالها عند النقد والتقويم، فيقول:

{ولا تَبخَسُوا الناسَ أشياءهُم ولا تُفسِدوا في الأرضِ بعدَ إصلاحِها ذلكم خيرٌ لكم إن كُنتُم مُؤمنين} . (الأعراف/85)

فلابدّ لمن يريد أن يمارس عملية النقد أن يلتزم بتلك الأصول والآداب، ويحافظ عليها.

فالنقد الهدام، واستغلال الثغرات، وانتهاز الفرص، وتتبع العثرات، ومحاولة إظهار أعمال الآخرين ومشاريعهم ومنهجهم الثقافي أو جهدهم العلمي، أو عملهم السياسي، والاجتماعي بمظهر الخطأ والتخلف والتفاهة، بدافع الأنانية، أو النزاعات الشخصية، أو بسبب الجهل والتعصب.

إن كل ذلك لا يسمى نقدًا، بل هو عملية هدم وإسقاط لجهود الآخرين، وإحباط لمساعيهم، وإعاقة لنمو مشاريعهم وأعمالهم الإصلاحية والعلمية أو السياسية والثقافية، فكثير من الناس يقدم على مشروع عمل، فيصدر صحيفة أو مجلة إسلامية، أو ينشئ جمعية خيرية أو مشروعًا ثقافيًا، كالمدارس والمعاهد الدينية، أو يؤسس حركة إسلامية، أو يحدث نشاطًا وعملًا سياسيًا واجتماعيًا، فيخطئ أو يفشل في عمله بسبب قلة الخبرة، أو ضعف الإمكانيات، أو عدم توفر الظرف المناسب.

إن حق أولئك العاملين الإسلاميين على الآخرين هو التسديد والنصح وتقديم العون والخبرة والنقد البناء بالوسائل والطرق الصحيحة المثمرة:

{وقُولوا للناسِ حُسنًا...} . (البقرة/83)

{ألم تَر كيفَ ضربَ اللهُ مثلًا كلمةً طيبةً كَشجرةٍ طيبةٍ أصلُها ثابتٌ وفَرعُها في السماءِ * تؤتي أُكُلها كلَ حينٍ بإذنِ ربها ويَضربُ اللهُ الأمثالَ للناسِ لعلّهم يتذكَّرون * ومثلُ كلمةٍ خَبيثةٍ كَشجرةٍ خبيثةٍ اجتُثَّت من فوقِ الأرضِ ما لَها من قَرارٍ} . (إبراهيم/24ـ26)

وفي الحديث الشريف نجد تأكيدًا على أهمية الكلمة والطريقة التي يتم بها الإرشاد والتوجيه، فقد ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) :

(إن العبد ليتكلم بالكلمة فيكتب الله بها إيمانًا في قلب آخر، فيغفر لهم جميعًا) (9) .

ومن آداب النقد والمحاسبة في الإسلام هو عدم التشهير بالآخرين، أو الإضرار بسمعتهم ما زالوا يحملون النوايا المخلصة، والقصد الصادق في اتجاههم الإيماني.

لذلك ورد هذا التشبيه على لسان الإمام الحسن بن علي العسكري (ع) وهو يرشد إلى كيفية النقد والنصح والتسديد:

(من وعظ أخاه سرًا فقد زانه، ومن وعظه علانيةً فقد شانه) (10) .

بل وتتأكد المهمة النقدية البناءة، كمسؤولية رسالية وواجب أخلاقي يتحمله المؤمن تجاه المؤمن في جملة من الروايات والأحاديث الشريفة، فعلى الناقد أن يصور الحقيقة، ويشخّص الواقع، وعلى المنقود أن يتقبل بصدر رحب، وعقل متفتح ذلك النقد البنّاء، والنصيحة الصادقة، جاء ذلك واضحًا ومصورًا بدقة متناهية تكشف قيمة النقد وكيفيته، في الحديث الذي يرويه الإمام

جعفر بن محمد الصادق (ع) عن جده رسول الله (ص) ، قال: قال رسول الله (ص) :

(المؤمن مرآة أخيه، يميط عنه الأذى) (11) .

وفي الوقت الذي يريد الإسلام أن تكون المهمة النقدية لأعمال الآخرين الفكرية والاجتماعية والسياسية وأمثالها، مهمة تصوير للحقيقة، وتصوير لنقاط الضعف والقوة كما تصور المرآة الواقع دون تزييف، أو تلاعب، أو تدخّل ذاتي، أو أناني، فإنه ينهى المؤمنين المتآخين في الله، أن يهتك بعضهم حرمة بعض، ويحصي عليه زلاته ليسقطه، ويزعزع مكانته، أو يحطّ من كرامته وقدره.

فقد روي عن الإمام محمد بن علي الباقر (ع) :

(إن أقرب ما يكون العبد من الكفر أن يؤاخي الرجل على الدِّين، فيحفظ عليه عثراته، ويحصي عليه زلاته، ليعنفه يومًا ما) (12) .

إذن فلنخاسب أنفسنا، ولننقدها بوعي وتجرد، ولنقف ولنتأمل كلما سرنا شوطًا لنعيد التقويم والحساب، ولنصغ إلى النقد والنصيحة وكلمة الحق، ولنحسن النقد وتوجيه الآخرين، ولنتّق

الله عندما ننقد ونقوّم الآخرين، فإننا مسؤولون عن ذلك:

{ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيد} . (ق/18)

ولنتحاش التشهير بالآخرين ومحاولة اسقاطهم، وليكن هدفنا من النقد هو الإصلاح، وليكن دافعنا إليه هو حب التغيير وحب الخير.

ولنبتعد عن التبرير والاسقاط ومخادعة النفس، فمن الخطأ أن نقنع أنفسنا بصحة كل ما يصدر عنا ، والرضى بأوضاعنا دون أن نعمل على إعادة النظر فيها وتمحيصها، وتصعيد مستواها:

(مَن استوى يَوماه فَهوَ مَغبُون...) (13) .

أما المصر على الخطأ، فهو ظالم لنفسه ولغيره.

ولنجعل قول الرسول (ص) منهاج عمل يومي لنا في الحياة:

(حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنُوها قبل أن تُوزَنُوا، وتجهَّزوا للعرضِ الأكبر) (14) .

هدي وإرشاد

1ـ من وصية طويلة، وصّى بها الرسول (ص) أبا ذر الغفاري (رض) : (يا أبا ذر حاسب نفسك قبل أن تُحاسب، فإنه أهون لحسابك غدًا...) (15) .

2ـ قال رسول الله (ص) : (أكيس الكيّسين من حاسب نفسه، وعمل لما بعد الموت) (16) .

3ـ قال الرسول (ص) : (لا يكون العبد مؤمنًا حتّى يحاسب نفسه أشدّ من محاسبة الشريك شريكه) (17) .

4ـ قال الرسول (ص) : (الكيِّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتَّبَعَ نفسه هواها، ثم تمنَّى على الله) (18) .

5ـ عن الرسول (ص) ، قال: (من مقت نفسه دون مقت الناس آمنَهُ الله من فزع يوم القيامة) (19) .

6ـ عن أمير المؤمنين (ع) : (مَن حاسَبَ نفسهُ ربحَ، ومن غَفلَ عنها خسرَ، ومن خاف أمنَ، ومن اعتبرَ أبصرَ، ومن أبصرَ فهمَ، ومن فهمَ علمَ) (20) .

7ـ عن أمير المؤمنين (ع) ، قال: (يا أسرى الرغبة، اقصروا فان المعرّج على الدنيا ما لا يروّعه منها صريف أنياب الحدثان، أيها الناس تولّوا من أنفسكم تأديبها، واعدلوا بها ضراوة عاداتها) (21) .

8ـ عن أبي الحسن (ع) ، قال: (إن رجلًا في بني إسرائيل عبد الله أربعين سنة، ثم قرّب قربانًا فلم يقبل منه، فقال لنفسه: ما أتيت إلا منك، وما الذنب إلا لك، قال: فأوحى الله عز وجل إليه: ذمّك لنفسك أفضل من عبادتك أربعين سنة) (22) .

9ـ عن الإمام علي بن الحسين (ع) ، قال: (ابن آدم: إنك لا تزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك، وما كانت المحاسبة من همك، وما كان الخوف لك شعارًا، والحزن لك دثارًا، ابن آدم: إنك ميّت ومبعوث وموقوف بين يدي الله فأعّد جوابًا) (23) .

{والحمدُ لله ربِّ العالمين}

ــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت