فهرس الكتاب
مع الأهل, علاقات أسرية
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. مشكلتي هي والدي، فهو إنسان قاسٍ، جامد المشاعر، مستبد بآرائه، ولا يكترث بي ولا بإخوتي ، بسببه لم أهنأ بطفولة سعيدة، ولم أحظَ بالحنان والعطف.. وعشت في خوف دائم.. حتى في مراهقتي عانيت الأمرين منه دائمًا في شجار وصراخ. كنت وما زلت لا أطيق الجلوس معه في مكان واحد.. لا حوار ولا نصح ولا كلمة حانية، وسبَّب لي آلامًا نفسية بالغة.
وبفضل من الله استعدت اتزاني وشخصيتي وثقتي بنفسي، وحاولت تجاهل ما يفعله، حتى غدوت متفوقة جدًّا في دراستي ومحبوبة اجتماعيًّا.
أنهيت دراستي الثانوية بتفوق واضح، لكن صدمت بردة فعله تجاه نجاحي، منعني من دخول الجامعة.. لا لشيء سوى أن هذا رأيه وعليّ الرضوخ دون مناقشته، وفي الواقع لا توجد أي حجة لمنعي.
وحقيقة أتعجب منه فهو وبدون مبالغة لا يعرف سوى اسمي حتى إنه لم يكن يعلم أني في آخر سنة دراسية لي، ثم يأتي بعد ذلك ويحرمني من التعليم الجامعي الذي سيفيدني في ديني ودنياي، قبلت هذا الأمر لعلَّ الله أن يعوضني خيرًا.
مشكلتي هي كيف سأقضي وقتي في البيت؟ في السابق كنت أشغل نفسي بالدراسة وأحاول نسيان مشاكلي، لكن الآن لا دراسة ولا عمل لديّ.. أحس بالملل وبالوحدة.. ولا أخت لي تؤنسني، وأعلم أني سأبقى هكذا لمدة سنتين أو أكثر؛ لأنه لن يزوجني قبل ذلك، وبصراحة أخشى على نفسي من الفراغ فالنفس أمارة بالسوء.. أحاول قضاء وقتي في أمور مفيدة كحفظ القرآن، لكن سرعان ما تفتر همتي، والوقت طويل..
الوضع في البيت لا يطاق أحس بأني سأنهار.. سأنهار حتمًا إذا استمر يضغط عليّ في كل أموري.. ما العمل مع هذا الأب؟؟ وما العمل مع إجازتي طويلة الأمد؟؟
... المشكلة
د.إيهاب خليفة ... اسم الخبير
... ... الحل ...
... أختي السائلة، قد يهون من هذا الابتلاء أنه لا دخل لك فيه فهو من تدابير القدر ومن حكمة الله تعالى، ورغم أنه لا يمكن لي الحكم على شخصية والدك إلا بالجلوس معه فإنه يظهر من حديثك أن في شخصية والدك نوعًا من الاضطراب، وهنا ينبغي أن نتلمس له بعض العذر، فجزء من هذه الاضطرابات لا يكون للإنسان دخل فيه، ومثل هذا النوع من الاضطرابات لا يكون علاجه سهلًا، ولا يكون التغيير فيه سريعًا إن حدث، فعليك إذن أن تبني خططك بناء على أنه سيظل هكذا، ولن يتغير وإن تغير ولو بقدر يسير فبها ونعمت.
الأخت الكريمة، أنت الآن بين خيارين، أولهما: أن تتوقفي عند هذه المشكلة الموجودة في شخصية والدك، وتجلسي لتندبي حظك أو أن تبحثي عن بعض النقاط الإيجابية الموجودة، سواء في شخصية والدك أو أسرتك أو محيط المجتمع، وتسعي للاستفادة منها، والإنسان الناجح هو الذي يتمكن من استغلال نقاط القوة التي أودعها الله عز وجل في ملكاته وشخصيته وفي المجتمع المحيط من حوله، والتغلب على الصعاب والعقبات التي تعترضه أو على الأقل الحد من سلبياتها إلى أقصى درجة ممكنة.
وما أوصيك به هو:
أولًا: لا تستسلمي لما فرضه عليك والدك من عدم إكمال تعليمك الجامعي، خاصة إذا كان هذا الأمر متاحًا للكثير من البنات في العائلة، وغير مستغرب من قبل المجتمع، فينبغي عند ذلك أن تتلمسي من يعاونك في العائلة على إكمال تعليمك، ويحاول أن يتفهم وجهة نظره ويناقشه، فقد يكون السبب هو الغيرة الشديدة أو الخوف عليك من الدراسة مع الفتيان في مكان واحد، وعندها يمكن التحايل على ذلك بإرسال من يرافقك بصورة دائمة، بل وينبغي إذا لزم الأمر أن تصل له رسالة أن القانون لا يسمح له بأن يعوقك عن إكمال تعليمك. ويفضل أن يأتي ذلك من قبل من يكبرونه في السن في محيط العائلة.
ثانيًا: لم تذكري لنا ما هي طريقة تعامل أبيك مع إخوتك، وهل يميز البنين على البنات، فإن كانت هذه المعاملة مع الجميع فينبغي أن تتوحدوا في التحدث والتحاور معه، وسماع وجهة نظره في الأمور التي ترونها ظالمة، والبدائل الممكنة للتقريب بين الوجهتين.
ثالثًا: وجودك بصفة مستمرة داخل المنزل لا يعني عدم القدرة على استثمار وقت فراغك، فهناك الكثير من الأنشطة والأعمال التي يمكن أن تمارسيها والتي تتفق مع ميولك وهواياتك، وأحدها بالطبع هو استثمار مجال الكمبيوتر والإنترنت الذي أرسلت لنا من خلاله هذه الرسالة.
رابعًا: زيادة مساحة تعارفك على الكثير من الفتيات، خاصة ممن هن من العائلة، والذين لن يستغرب الوالد زيارتهن لك أو ذهابك إليهن، فعن طريق هذه الصداقة يمكن التشجيع على عمل الكثير من الأنشطة المشتركة، والخروج من دائرة العزلة والوحدة، وحتى لا تكوني فريسة للشيطان الذي كثيرًا ما يغوي الإنسان إذا كان بمفرده.
خامسًا: ينبغي ألا تيئسي مع ذلك من إمكانية تغيير والدك ولو بقدر يسير، فينبغي أن تستمري في التحاور معه ما وجدت إلى ذلك سبيلًا، وأن تحاولي رغم ضيقك الشديد من ناحيته أن تتلمسي الجوانب الإيجابية في شخصيته وتحاولي استثمارها.
أختي الكريمة، حاولي أن تطبقي هذه الخطوات بصبر وعزيمة، فما أيسر الكلام ونحن معك بالمشورة.. مع تمنياتنا بالتوفيق
ــــــــــــــــــــ