فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 14524 من 35630

هيأ الإنترنت لشباب اليوم, العرب بخاصة, مجالات واسعة للإفادة مما يقدمه من خدمات شتى كان الحصول عليها من قبل امرًا متعذرًا. فعلاوة على الأبحاث الأكاديمية والعلمية والتثقيفية التي تتميز بطابع الجد والرصانة, يقدم الإنترنت للشباب ايضًا مساحات حرة فالتة من قيود الزمان والمكان تضج بكل ألوان المتع والتسلية, البريء منها وغير البريء, ويقبلون عليها بشغف وولع لافتين وصولًا الى درجة الإدمان احيانًا.

في هدأة الليل وخلف الأبواب الموصدة, يتسمر الشباب عادة امام الشاشة الفضية يتجاذبون اطراف الحديث بشوق ولذة فيتسامرون ويدردشون ويتعارفون ويتبادلون ما شاء لهم من عبارات الحب والهوى والغرام ويفصحون عما بدواخلهم من احاسيس دفينة او رغبات طارئة لا بل يتحدثون عن كل شيء من السياسة الى الدين الى الجنس من دون حسيب ولا رقيب, فينساب الكلام من دون تكلف او تصنع ومن دون ان يتسرب الملل الى نفوسهم وقد يطول الحديث عن الكلام المباح وغير المباح في احيان كثيرة حتى الصباح.

وعبر المواقع الإلكترونية المخصصة للتعارف وما اكثرها, من مايكروسوفت الى ياهو ومن آي سي كيو الى أرابيا اون لاين وغيرها يتبادل هواة التشات رسائلهم عبر آليات ثلاث: الرسائل المكتوبة بإحدى اللغات التي يتقنها الطرفان او الرسائل الصوتية (فويس تشات) بواسطة ميكروفون موصول بجهاز الكومبيوتر او بالصوت والصورة معًا عبر كاميرات صنعت خصيصًا لهذا الغرض. ولكل من تلك الوسائل حسناتها وسيئاتها. فالرسائل المكتوبة تتيح لصاحبها متسعًا من الوقت للتفكير وغالبًا ما تخلو من الانفعالات الشخصية خصوصًا في المسائل العاطفية, في حين ان الحديث بالميكرو يتصف بالتلقائية والعفوية وقد يصبح الحوار احيانًا ساخنًا بين الطرفين لا سيما في المسائل الخلافية السياسية او الدينية وقد يتحول الى معارك كلامية قاسية تستعمل فيها كلمات نابية وألفاظ بذيئة. اما الحديث عبر الصورة والصوت فيجعل المشهد اكثر واقعية وهدوءًا واتزانًا, إذ لا مجال لأن يخدع اي من الطرفين الآخر سواء في صفاته او جنسه او شكله او غير ذلك كما هي الحال مثلًا في الرسائل المكتوبة او الصوتية.

شهادات واعترافات

من لقاءات شخصية واتصالات مباشرة شملت الكثير من رواد التشات العرب (بعضهم في مونريال - كندا وبعضهم الآخر في بعض البلدان العربية) ظهرت الحقائق التالية:

-ان غالبية الزائرين لمواقع التشات سواء في المنازل او في مقاهي الإنترنت, ينتمون الى شريحة المراهقين والشباب ممن تراوح اعمارهم بين 16 و25 سنة وغالبيتهم تجيد الى العربية احدى اللغتين الإنكليزية او الفرنسية.

-يراوح معدل الوقت الذي يقضونه في غرف التحادث بين عشرين وستين ساعة اسبوعيًا وهو معدل مرتفع تحذر من عواقبه بعض الدراسات الاجتماعية التي ترى فيه نوعًا خطيرًا من الإدمان.

-يحتل الجنس, البريء وغير البريء, مساحة كبيرة من الأحاديث التي يتداولها الشباب وتقدرها بعض مواقع التشات (ياهو) بحوالى 60 في المئة من مجمل ما يدور في غرف التحادث بما فيها ما يتعلق بالزواج والانفصال والطلاق والخيانة والمعاشرة والعفة والأمراض التناسلية والإيدز والواقي الذكري, وغير ذلك مما له علاقة بالمسائل الجنسية. وفي تفسير لهذا الاندفاع اللافت نحو الجنس يرى علماء الاجتماع ان الكثير من الشباب يعانون الإحباط والكبت الجنسي الناجم عن محظورات عائلية او اجتماعية او تربوية او اخلاقية, ولذا فهم يلجأون الى الإنترنت لإفراغ ما لديهم من مخزون جنسي في ظل غياب اي من انواع الرقابة.

-تضاؤل الحوارات الرصينة كالمسائل السياسية والاجتماعية والدينية والعقائدية التي تراوح نسبتها بين 15 و20 في المئة, علمًا ان الشباب ينعمون بكامل الحرية في التعبير عن آرائهم خلافًا لأي وسيلة إعلامية اخرى من جهة وبعيدًا من سلطوية الأنظمة وقمع الأجهزة الحكومية من جهة ثانية.

-انحدار مستوى التخاطب الذي يتجه في احيان كثيرة الى الإسفاف والتجريح والشتائم والخروج عن حدود الأدب والأخلاق والحوار الموضوعي بخاصة في المواقف التي تتناقض فيها آراء كل من الطرفين.

الزواج عن بعد

على رغم ان الرأي السائد ينعت رواد التشات بالعبثيين او المتطفلين او المصطادين بالماء العكر, إلا ان بعضهم قد يجد فيه فرصة ذهبية للقاء الشخص المرغوب فيه للزواج اذا ما اتفق المتخاطبان على بعض القواسم المشتركة ولاقى كل منهما هواه في الآخر, فيعمدان الى تعميق صلاتهما ويحرصان على تبادل الحديث يوميًا عبر البريد الإلكتروني الى ان تتضح رغباتهما وتنجلي عن قرار حاسم قد ينتهي بالزواج. وانطلاقًا من فكرة التشات كثرت المواقع المتخصصة بالباحثين عن الشريك الآخر حيث يجري التعارف فيها مباشرة بعيدًا من رغبات الأهل او وساطة الأصدقاء, لا سيما ان فرص الاختيار اوسع قياسًا الى الزواج التقليدي. وثمة من لا يستغرب ان يتضاءل هذا الزواج الأخير شيئًا فشيئًا بين شباب الغد لمصلحة الزواج عن بعد.

رب نافعة ضارة

إذا كان الإنترنت احيانًا وسيلة صالحة للزواج, إلا انه قد يصبح ايضًا وسيلة مدمرة لهذا الزواج. في هذا السياق تؤكد وكالة"إيلييت"البريطانية المتخصصة في حل المشكلات الزوجية والعاطفية"ان شبكة الإنترنت بدأت تلعب دورًا ملحوظًا في تحطيم العلاقات الزوجية". وتضيف رئيسة الوكالة انجيلا سمبسون ان واحدًا من كل عشرة اشخاص يلجأون الى الوكالة لحل مشكلاتهم العاطفية. فالكثير من الرجال يقضون فترات طويلة على الإنترنت على حساب زوجاتهم, والإغراءات التي توفرها الشبكة تفتح الطريق الى علاقات مشبوهة لا سيما ان الخيانة عن بعد لا تحتاج الى تقديم أعذار كما لا يترتب عليها اي تبعات عن حب افتراضي.

ــــــــــــــــ

الحياة 2004/02/24

ــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت