فهرس الكتاب
* رولوماي
لعل بعض القراء يظنون، أثناء مناقشاتنا لغياب جوهر القيم في مجتمعنا، يظنون أن ما هو ضروري يقتضي ببساطة العمل على ايجاد مجموعة جديدة من القيم، ولعل غيرهم يحسبون أن (ما من شيء خطأ يشوب قيم الماضي) كالمحبة، والمساواة والأخاء الانساني. ان كل ما نتوخاه هو بكل بساطة أن نستحضر هذه القيم لتكون حاضرة أمام عين العقل.
وكلتا هاتين النقطتين تخطئ المشكلة الأساسية في الموضوع، وأني بذلك، أن الانسان المعاصر قد فقد، إلى حد ما، القدرة على توكيد أية قيمة والاعتقاد بأهميتها. وأيًا كان الأمر، فليس المهم في الأمر أهمية القيمة، ولا كم هي مناسبة نظريًا كما هي مدونة على الورق، بل ان ما يحتاجه المرء هو قابلية متوفرة لديه قبلًا، وأعني بذلك أن لديه القدرة على التقييم. ان تخلي الانسان عن قيمه يفقده معنى وجوده في مجتمعه وفي الحياة. وان ما تخص عليه التعاليم السماوية هو أن يكون الفرد هو ذاته أينما كان وأن يجتهد في صنع القيم الايجابية وأن يعمل على توكيدها. وعند فقدان هذه القيم يكون الانسان قد فقد هويته الذاتية.
هناك شيء خاطئ في عبارات تتردد بشأن القيم، منها مثلًا عبارة (مناقشة القيم) . فالمرء مثلًا يتلقى معتقداته بشأن القيم وعن قيمهم من خلال المناظرات الفكرية. ان ما في حياة المرء من أشياء تحيط به، وأشخاص يتفاعل معهم كحبه لأطفاله مثلًا، وحبهم إياه، أو الاستمتاع بلذة الإنصات إلى الموسيقى، أو لعبة الغولف، أو الزهو الذي يحسبه في عمله، كل هذه الانشطة يتلقاها ويتقبلها بوصفها حقائق واقعية. ولهذا فإن الخوض النظري في مثل هذه الجوانب يعده المرء ليس بذي علاقة. بل يحسبه خارج نطاق الموضوع إياه. ولو أنك سألته عن شرحها وعن كيفية تفسيره لها لقال لك: انه يحسها، وإنها خارج إطار التفسيرز ورأيه هذا سليم. وهكذا هي القيم. فهي إنما تتأتى عن طريق الإحساس مقترنة بواقع النشاط الذي يؤديه الانسان ويبديه، طالما أن النشاط يمثل سلوكًا يتقبله المجتمع ويرضاه.
إن ما نرمي إليه هنا هو أن القيم إنما هي وليدة العلوم كافة متكاملة. وان بوسع المرء أن يتصدى لحل مشاكله بقوة إرادته إذا هو ادرع بجوهر القيم النابعة من صميم روح المجتمع.
ولكن الذي يخلق بنا تأكيده هنا هو ما لم يعزز الفرد من مكانة القيم وأهميتها، وما لم يجعل من دوافعه الداخلية ومن وعيه وإدراكه الأخلاقي، مثابة للانطلاق، فلا فائدة ترتجى من مناقشة يمكن أنت تثير جدالًا لا طائل منه ويمكن أن تخلق اختلافًا حقيقيًا يترتب عليها. إذ أن الحكم الخلقي واتخاذ القرار يجب أن يكونا متأصلين في قدرة الانسان على التقييم. وبمقدار ما يحمل المرء في نفسه وفي تكوينه من قوة وأصالة فإنه يتمكن من تحديد معالم الواقع الذي يعيشه والذي فيه تنعكس القيم. فمن واقعه هذا يتلقى المسببات الأساسية التي تتيح له نسج مقومات القيم الراسخة. ومن خلال ذلك يستطيع أن يتعلم حدود مسؤوليته الأخلاقية والاجتماعية. وبممارسة الفرد نشاطه فإنه يتسنى له أن يختار طريقة تحديد وتأكيد ما يسعى إليه من أهداف تحكم وعيه الإدراكي، مما يؤهله في المآل من استبانة السبل المفضية إلى كيفية بناء القيم الايجابية وتعزيز مكانتها.
يجدر أن يطلق على الانسان مصطلح (المقيم) ، كما قال قديمًا زرادشت: (فما من شعب يستطيع العيش قبل التقييم أولًا وقبل كل شيء؛ وإذا ما تماسك الشعب وتدبر أمره، فما عليه، إذن، إلا أن يقيم ذاته كما يقيمه جواره ـ جاره ... التقييم خلق وإبداع، فانصب إليه واستجب؛ فأن، إذن، مبدع. والتقييم نفسه إنما هو كنز من الأشياء وجوهر المقيم. ومن ثنايا التقييم وخلاله فقط تتبدى القيمة، ومن غير تقييم فإن لب الوجود يصبح خواء. اصغ إليه، فأنت مبدع خلاق مثلك مثل سواك) .
كل سلوك انساني يتألف من أجزاء دقيقة. تتراكم في النهاية لتكون سلوكًا اجتماعيًا متطورًا. وبمقدار ما يتصف به المرء من حصافة تتأتى فعاله وأعماله محمودة الجانب من حيث التقييم الاجتماعي. وان قيم الانسان لخير هاد له في تسديد خطاه بلوغًا لأهداف يرتضيها فتحقق له ذاته ولتسهم في ترصين حياة مجتمعه.
ما من شك في أن فينا قوى كامنة متصارعة: منها قوى دافعة نحو الأقدام، وأخرى رادعة فتغري بالأحجام. ولعل بعضها يظهر للفرد في أحلامه. وكلها توضح أن في الانسان قوى كائنة بالقوة والفعل، تنطلق وقت الحاجة المعقولة موجهة بعقلانية صوب اتخاذ قرار حكيم. وهذا بدوره يوضح أن العمل الأخلاقي، إنما هو، نشاط يختاره الفرد وينفذه بإرادته، فهو نشاط يعد تعبيرًا عن دوافع ذلك الفرد الداخلية وعن واقع اتجاهاته. ولا ينكر، من وجهة النظر السيكولوجية، ان أعمال الانسان لا تخلو من تناقض وجداني، وليس ثمة في دوافعه ما هو نقي تمامًا فلا يشوبه شيء من هذا التناقض. ففي دخيلة كل انسان يوجد هناك تناقض، وتناحر، وشك، وصراع، وتأزم نفسي. فما على الانسان، وهو يسلك سلوكًا أخلاقيًا، إلا أن يجتهد في تهذيب نوزاعه لتتساوق وقيم الحياة التي يرتضيها لنفسه ولمجتمعه وأبنائه.
ــــــــــــــــــــ