فهرس الكتاب
مع النفس
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا فتى تونسي (أقطن بتونس) أبلغ من العمر 17 سنة، أدرس بالمعهد النموذجي بسوسة (يضم نخبة من تلاميذ تونس) من عائلة 'محافظة' أو لنقل مسلمة إسلامًا معتدلا، ولدت بالمدينة المنورة، وترعرعت فيها وتلقنت فيها **مبادئ الإسلام** التي لا تزال راسخة فيّ جدًّا.. المهم قد تبتسمون وقد تتململون ضجرًا إذا قلت لكم: إن لي عشرات الأسئلة التي تؤرقني، ولولا ثقتي في كونكم ذا عقل وحكمة ومعرفة وتجربة؛ لما أقدمت على استفساركم عن مشاكلي هذه التي أرجو أن تعينوني من خلالها على شق طريقي في الحياة عبر الطريق السليم.. في طريقة تفكيري وكلامي وتعبيري عن أفكاري ... أجدني **منطقيًّا** جدًّا لدرجة أني أملّ من نفسي. صدقوني .. وعلى الرغم من أن من يحيطون بي يجدونني عبقريًّا في تناولي للمشاكل وحلها على اختلافها (من أبسط المشاكل العائلية إلى أصعب البرمجيات الإعلامية) ، أنا نفسي أبقى مندهشًا حائرًا هل المنطق طريق قويم لحل كل مشاكلي أم هو صالح لبعضها فقط؟ أوليس المنطق من صنع العقل البشري والعقل البشري ليس فذا بما فيه الكفاية ؟ أعينوني جزاكم الله خيرًا. ... المشكلة
د.عمرو أبو خليل ... اسم الخبير
... ... الحل ...
... للوهلة الأولى بدت لنا مشكلتك غير واضحة، ولكنني وجدت علامتين عند كلمتين في رسالتك فأعطى ذلك إيحاءً أن وجود هاتين العلامتين عند هاتين الكلمتين ربما يكون له دلالة في مشكلتك التي تود طرحها أو الاستفسار بشأنها، أما الكلمتان فكانتا"مبادئ الإسلام"و"منطقيًّا"ويبدو أن هذا هو مصدر تساؤلاتك، بدا لي أن هناك تعارضًا في ذهنك بين مبادئ الإسلام التي لا تزال راسخة فيك جدًّا والتفكير المنطقي.. والحقيقة غير ذلك، فالعقل في الإسلام هو مناط التكليف، والقرآن كثيرًا ما يدعو للتأمل، واستخدام العقل وبيّن أن الآيات لقوم"يعقلون"بل يستخدم كل الأساليب في مناقشة حجج المجادلين والمناوئين، ويدعو أولي الألباب في أكثر من موضع للتأمل.. حتى نكاد نزعم: القرآن هو معجزة الله التي أنزلها لمخاطبة العقول والدعوة لإعلاء قيمة العقل والعقلاء، وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا زاخرة بذلك؛ حيث لم يكن أسلوب الرسول سواء في الدعوة أم في التوجيه هو القهر العقلي، بل كان أسلوبه تحريك العقول للتأمل ولحل المشاكل وللوصول إلى الحقائق، وعندما فهم المسلمون ذلك أنشئوا أعظم حضارة للعقل، وأضافوا إضافات ذات قيمة إلى من سبقهم في علوم العقل، ولم يجدوا حرجًا في أن يخوضوا علوم المنطق والفلسفة والكلام، بل كانوا أصحاب السبق في اكتشاف المنهج التجريبي في العلوم.. كل ذلك لأنهم فهموا إسلامهم فهمًا صحيحًا، عرفوا منه أن الحدود التي وضعها الإسلام للعقل حدود ضيقة جدًّا ألا وهي حدود الغيبيات التي هي خارج نطاق قدرات العقل، والمطالب فيها الإيمان بها كما أخبر عنها الله في كتابه ورسوله في سنته، أما ماعدا ذلك فهو متروك لاجتهاد البشر وسياحة عقولهم في إطار الإيمان بالله ورسله وكتبه وملائكته والقدر خيره وشره.
خلاصة الأمر أننا مدعوون لاستخدام المنطق والعقل في حل مشاكلنا وفي بحث كل أمورنا وما حولنا بشرط ألا يصيبنا الغرور حتى نتخيل أن ما ندركه بعقولنا فقط هو ما نؤمن به وما عداه لا نقبل الإيمان به؛ فنصاب بالشطط الذي أصاب الماديين الذين عبدوا عقولهم، وتخيلوا أنها تحل وتدرك كل شيء، وأيضًا لا نُهمل عقولنا ونسلمها للخرافات والخزعبلات.. ونرفض الأسباب ونتواكل ولا نعمل عقولنا في الكون وسننه.
هذا المنهج الوسطي في التعامل مع العقل ومع المنطق هو المنهج المطلوب، وإلا ما جعل الله العقل مناط التكليف، وأهلًا بعشرات التساؤلات التي تدور في ذهنك.
ــــــــــــــــــــ