فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 14248 من 35630

حبيبي"يحترق".. كيف أقنع أبي ؟

معوقات الاختيار, الحب وآلام الفراق

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد..

أتقدم بالشكر الجزيل للجهد الرائع الذي تبذلونه لحل مشكلات الشباب على هذه الصفحة.. والله إنه لعمل يثلج الصدور. أتوجه للكتابة؛ لأنني لم أتعود أن أبوح بمشكلاتي لمن يعيشون معي أو حولي من أقارب أو أصدقاء.. ويفتقر الناس في هذه الأيام لحاسة الإصغاء وهم ماهرون في فن الحديث والكلام!! فوجدت أن البوح للمختصين ولمن هم أهل لهذا الأمر أفضل من الثرثرة بلا داعٍ أو فائدة.

إنني يا أفاضل فتاة في الحادية والعشرين من عمري.. تقدم لي الكثيرون للزواج، فكان الرفض من جانبي إلى أن وافقت يومًا على أحدهم بعد موافقة أهلي طبعًا.. اقتنعت به عقلا، ثم من خلال الأحاديث الهاتفية -التي تمت بعلم أهلي طبعا- علمت أنه كان يحبني منذ زمن، لكن محافظته على السمعة والشرف والأخلاق منعته من أن يبوح لي بهذا الأمر بشكل غير رسمي إلى أن تمت الخطبة، فباح لي بما يجول بخاطره. وبطبيعة الحال تعلقت به أيضا.. فأصبحنا متفقَين عقليا وروحيا ومحل حسد من الكثيرين، وأولهم أختي الكبرى المتزوجة!!

لم يكن الأمر يخلو من المشكلات الطبيعية التي تحدث في مثل هذه الفترات، لكن وضوحنا وصراحتنا وحوارنا الدائم ونقاشنا الهادف كان يأتي بنتائج مثمرة.. حيث إن كلانا يميل إلى العقل والهدوء.. غير أنه بسبب غيرة أكثر أقاربنا (من السيدات) اللاتي وجدن في خطيبي ما لم يجدنه في أزواج بناتهن حاولن -ونجحن- في أن يؤثرن على قرار أبي الذي قام -سامحه الله- بفسخ الخطبة رغما عن إرادتي، ورغما عن إرادة الكثيرين من أعمامي وأمي وأشخاص كثيرين وجدوا أن في هذا النسب خيرًا لي!! والسبب هو أن الزواج من الأقارب أفضل!! على الرغم من أن هذا الشاب من عائلة مرموقة ومستوى مادي جيد.. فهم من أفضل العائلات على الإطلاق وبشهادة الجميع من كبار رجال العائلة.. غير أن هذه ليست المشكلة.. فقد انتهى هذا منذ زمن.

تكمن المشكلة في أن هذا الشاب (باختصار) يحترق!! فهو لا يستطيع نسياني.. يحبني إلى أبعد الحدود.. كلمتني أمه مرارا علَّ وعسى بقليل من الضغط من جانبي يغير أبي رأيه، علما بأن أبي وبحديثه لأمي يعترف لها بأنه قد أخطأ بحقي.. وظلمني.. لكنه فعليا لا يريد تصحيح هذا الخطأ!! بل إن أبي يعرف بينه وبين نفسه أني أحبه!

كيف لا.. وقد كان هذا من سيشاركني بقية حياتي؟ كيف وقد اقتنع كلانا بأننا سنصبح زوجين بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى؟ علما بأن عائلة هذا الشاب كانت تترجى أبي ألا يقف حائلا بيننا كثيرا.. أي أنهم نجحوا في إرجاعه عن موقفه مرتين أو حتى ثلاثة.. فقد كان أبي من مدة إلى مدة يغير رأيه ثم يوافق، يغير ثم يوافق مرة أخرى!! حتى إن عمي قال لأبي: آهٍ وبهذا الشكل يسيء إلى سمعة العائلة.. فعمي طبعا -شأنه شأن الجميع- وجد في هذا الشاب نعمة لا تهدر!!

نعم إن أبي يجد في موافقته على هذا الشاب مرة أخرى جرحًا لكرامته! لست أدري ماذا أفعل؟! من جانبي أخبرت أمَّ الشاب وحتى الشاب نفسه بأن يرجع لأهلي.. لكن المشكلة الأخرى تكمن في أبيه الذي يرى أن أبي أهان كرامتهم حين أغلق خط الهاتف في وجه أبيه بلا سبب!!

والله إني وحتى هذه اللحظة أستحي من ذكر هذه الأشياء التي لا أستطيع إلا أن أقول عنها:"لا حول ولا قوة إلا بالله".. بالله عليكم كيف أستطيع أن أنسى هذا الشاب! لقد تقدم لي الكثيرون وأنا أرفضهم الواحد تلو الآخر؛ فقلبي يحبه! لا يوجد لي سلطان على هذا الميل القلبي.. ليس قلبي فقط بل إن عقلي لم يعد يقتنع بأحد غيره.. فكل من جاءوا لخطبتي بعد ذلك هم من شباب"الجينز"! إنني وبهذا الصدد أوجه رسالة إلى الآباء.. ارحموا بناتكم.. إنكم وبهذا الشكل تدفعونهن إلى سلوك سبل غير مشروعة.. لماذا لا تساعدونهن على وضع مشاعرهن في الإطار السليم؟! (أقصد طبعا عند عدم وجود موانع كالأخلاق والحالة الاجتماعية والاقتصادية والدينية) .

إن القلب ليس مسرحًا يدخله ممثل تلو الآخر.. إن للقلب حرمة! إنني أوجه لك يا أبي رسالة.. وأقول لك: ارحم القلب الذي شكا لك ضعفه حين سلبته أعز ما يملك بلا سبب جوهري! والله لو أن هذا الرفض جاء لسبب جوهري واحد ما كنت قد شكوتُ.. ولا بكيت.. بل إننا قلبان يبكيان! لكنا نعلم أن الله إن لم يجمعنا في الدنيا فسيجمعنا في دار الآخرة!! إن الله أرحم علينا من عباده! سبحان من وسعت رحمته كل شيء.

ماذا أفعل بالحب الذي يمكث في قلبي؟! ماذا أفعل بعقلي الذي لم يعد يقتنع بغيره؛ إذ إنه -حتى أخي الكبير- يرى فيه عملة نادرة؟ ماذا أفعل وأنا أستمع من يوم لآخر إلى أخبار هذا الشاب وهو تصيبه الأمراض من تفكيره الدائم بأمري!! علما بأنه عاقل.. لكنه أيضا يملك قلبا.. فقد حاول مرارا وسيحاول تكرارا!! والله إني أخاف عليه من هذا الأمر أكثر من رغبتي بالارتباط به؛ فهو قوي جدا في شخصيته وعمله وقدرته على تفعيل وتحكيم الأمور ..لكنه داخليا وبعيدا عن أنظار الناس عاطفي إلى أبعد الحدود! كنا نعلم بعضنا حقوقنا وواجباتنا.. كنا نعلم أن الحياة يوم مُر ويوم حلو.. لم نكن نرى الحياة متعة وبهجة فقط.. أو نكدًا ومشاكل فقط.. بل كنا ندرك معنى الاتحاد لمواجهة أي عقبة.. كنا نعلم أنه ستواجهنا المصاعب تارة، والفرحة تارة، والراحة تارة، والتعب تارة أخرى! إن حبنا نابع من اتحاد قلبينا وعقلينا معا.. فهو ليس حبًّا عاطفيًّا فقط.. بالله عليكم هل هذا عدل؟!

إني أعرف أن كثيرا من الأزواج والزوجات يجهلون ما كنا نحن ندركه -على الرغم من حداثتنا بهذه الأمور- هذا ليس قولا.. بل كان فعلا حين واجهتنا الكثير من المشاكل التي حللناها معا!

كلمة أخيرة: ارحموا مَن في الأرض.. يرحمكم من في السماء.

... المشكلة

د .ليلي أحمد الأحدب ... اسم الخبير

... ... الحل ...

... وأنا أضم صوتي إلى صوتك، وأنادي الآباء أن يرحموا القلوب العاشقة المسكينة المولهة، ولكن بشرط أن يكون أصحاب هؤلاء القلوب قادرين على تحمل المسؤولية عن قراراتهم وحدهم، ويبدو لي أنها ليست المرة الأولى التي ترسلين بها لنا، ولو أن تغيير عنوانك الإلكتروني قد يكون مموِّها..

على كل حال يبدو لي كذلك أنك قوية الشخصية، وتستطيعين أن تقولي لوالدك وبكل صراحة: إنك مسؤولة عن قرارك، وإذا كان الأمر صعبا عليك وحدك، فأرى أنه من الأمثل أن تشكلي جبهة ضغط -كما يقولون في السياسة- على والدك، مؤلفة من تكتل المحبذين لارتباطك بهذا الشاب، وهم كما ذكرتهم: عمك وأخوك ووالدتك وأقاربك الآخرون، وما على الحبيب الذي يحترق سوى أن يفعل نفس الشيء، ويضغط على والده لينسى الخطأ الذي حصل من والدك، وتعود الأمور إلى مجاريها .

طبعا هذا الحل الذي أقترحه نابع من الحقائق التي تكرمت بها من أن خطيبك ابن عائلة، ويعتبره عمك نعمة لا تهدر، ويرى فيه أخوك الكبير عملة نادرة.. وبكلمة مختصرة: إنك أعطيتني انطباعا أنه شاب"لقطة"، وبما أن أباك بدل موقفه مرات عديدة.. فحاولي بكل الوسائل أن يغير موقفه حال تراجُع والد الشاب عن قراره، واستغلا اللحظة الحاسمة بأن تنهيا أموركما في نفس اليوم؛ أي أقصد عندما يوافق الطرفان (والدك ووالده) ، فعليك وخطيبك أن تكون أموركما جاهزة بحيث يتم عقد الزواج في نفس اليوم؛ فخير البر عاجله، وإذا عُقد العقد فقد أصبحت زوجته، وعندها يمكنكما أن تضعا الوالدين الكريمين أمام الأمر الواقع؛ فكلمة"مطلَّقة"بالطبع لن يستسيغها والدك، وكذلك عندما يتحول الحب إلى جنس مشروع، فستسكت كل الأصوات المعارضة.

وأسوق لك هذه القصة من خبرتي الشخصية عن صديقة لي أحبت شابا عندما كانت أكبر منك بقليل تقريبا، ولاقت معارضة من أهلها؛ لا لشيء إلا لأنهم علموا أن الحب موجود بينهما، وبما أن الحب شيء معيب في ثقافتنا، وليس من الأفضل شرعا ودينا وعقلا وإدراكا أن يوجد شيء من الحب بين المقبلين على الزواج؛ فقد حاولوا معها بشتى الوسائل من اللين إلى القسوة؛ فوالدها الذي يعمل في بلد آخر أرسل لها عقدًا للعمل في الخارج كي تترك الحب وراء ظهرها وتأتيه، بينما هددها أخوها بالقتل، وأحضر مسدسه ليقتل طفل الحب الذي نما في قلبها، وليسترد شرف العائلة الذي أهدر عندما قالت بوضوح:"إنني أحبه، ولن أتزوج أحدا غيره"، وكأن الحب شيء مضاد للشرف!

على كل حال وافق الجميع بعد أن رأوا تصميمها، وفي اليوم الذي تمت فيه الخطبة سارع الشاب بعقد الزواج، واستأذن أهلها أن يصطحب زوجته إلى بيته، ولم يكن لهم أن يعارضوا بعد أن وافقوا، وتم لهما المراد ولا أقول إلا العقبى لك.

ولو أردت أن أحكي لك عما تحويه جعبتي من خبرات لكتبت لك قصصًا حقيقية قد لا تحدث في الخيال، ومنها قصة صديقة أخرى كان والدها يملك من تفتُّح العقل بحيث لا يمانع أن تذهب إلى أمريكا لتتابع دراستها وحدها، ولكن عندما عادت إلى وطنها، وتبعها شاب عربي من بلد غير بلدها تعرف عليها في أمريكا ليخطبها؛ ثارت الشرقية العفنة في عقل والدها، وأحضر مسدسه كذلك -كما يحدث في الأفلام العربية-، وأصر على اصطحابها إلى طبيبة النساء والولادة ليرى إن كانت عذراء أم لا؟ ولم تمانع طبعا واضطر والدها عندما رأى تصميمها أن يخضع لإرادتها، وكما يقول الشاعر:

إذا الشعب يوما أراد الحياة***فلا بد أن يستجيب القدر

فكذلك إذا أردت الحياة مع من تحبين قلبا وتقتنعين به عقلا، فلا بد أن تحطم إرادتك القوية كل رغبات الآخرين، ولا بد أن يستجيبوا لك، وأنا شخصيا لا أرى مشكلتك بالدرجة الكبيرة التي ترينها؛ لأن القصتين اللتين أوردتهما لك أصعب بكثير من قصتك؛ إذ في الحالتين كان ولي الأمر متعنتًا، ولم يغير رأيه ولا مرة كما في حالة والدك.

وقد ذكرت أكثر من مرة حديث المرأة الثيب التي شكت للرسول عليه الصلاة والسلام أن والدها زوّجها برجل لا تحبه، بينما هي ترغب بعم ابنتها (أخو زوجها السابق) ، فأبطل الرسول عليه الصلاة والسلام نكاحها وزوجها بمن تريد؛ وكذلك حديث الفتاة التي أخبرت الرسول عليه الصلاة والسلام أن أباها زوّجها من ابن أخيه ليرفع بها خسيسته -أي دينا كان عليه- فأخبرها عليه الصلاة والسلام أنها لو شاءت لأهدر نكاحها، فقالت: قد قبلت ما فعل أبي، ولكن كي تعرف النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء.

كان هذا في القرن السابع الميلادي، ونحن الآن في القرن الحادي والعشرين الميلادي، قرن الفضاء والذرة والبيولوجيا والتكنولوجيا، وما زلنا نرى تحكم الآباء في البنات والأبناء رغم كل الثقافة التي تغزونا من الغرب، وأن الوالد ليس له سلطة على أولاده حتى الأطفال منهم.. فإلى متى أيها الآباء؟

دعوا الشباب ليقرروا مصيرهم، وإذا كان لكم اعتراض على اختيارهم فناقشوهم وبينوا لهم وانصحوهم، وأما أكثر من ذلك فليس لكم من الأمر شيء، ولا ينجي حذر من قدر،"واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك"كما قال عليه الصلاة والسلام.

لن أنصحك بأن تتجاوزي والدك، وأن تجعلي عمك أو أخاك الكبير ولي أمرك؛ إذ يخيل إلي أن والدك من الطيبة بحيث لا يكون من الحكمة أن تتجاوزيه، فقط حاولي بالحسنى وبالمعروف معه. وفي نفس الوقت يجب على الشاب أن يتصرف كذلك أمام والده، وليذكر له أن العفو من شيم الكرام، وليُذكِّره بقول الله سبحانه:"وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم".

لي تعليق بسيط على عبارتك"شباب الجينز"فهي عبارة لا أحبذها، وليس كل من يلبس الجينز متشردا أو سيئا؛ لذلك أرجو أن نبتعد عن إطلاق الكلمات والتعميمات، خاصة أن لباس الجينز هو وإن كان غربيا فإنه عملي جدا بحيث يفضله كثير من الشباب، وليس المهم أن نقلد الغربيين في ظاهر لباسهم، لكن المهم ألا نقلدهم في انحدارهم الأخلاقي، وكذلك لا مانع أن نقلدهم في طرق تفكيرهم إذا كانت منطقية وعملية، خاصة أن منهاجنا الإسلامي الحقيقي يعتمد الأساليب العملية في التفكير، وليس كما هي حالتنا اليوم في طرق تفكيرنا اللاعقلانية والهوجائية التي أصبحت سمة لتخلفنا. وأذكر لك قولا للشيخ محمد الغزالي رحمه الله:"التشبه المنكور يكون في العقائد والخلال لا في الملابس والنعال"، وما روي عن ابن عباس -رضي الله عنه- عن الرسول عليه الصلاة والسلام:"كُلْ ما شئت والبس ما شئت.. ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة".

أخيرا.. أرجو ألا تنسي يا ابنتي العزيزة أن سلاح القرب من الله سبحانه أقوى من سلاح العقل نفسه، وأن العبد بالتفكير والله بالتدبير؛ فتقربي إلى الله بالطاعة وأريه من نفسك ما يحب، وأدخلي اختيارك في اختياره؛ فلا أحد منا يعرف أين يكمن الخير؟ وتوسلي إلى الله سبحانه أن يهيئ لك من أمرك رشدا، وأن يختار لك الخير حيثما كان، وكوني معه بالطاعة يكن معك حيثما كنت،"وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعانِ فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون".

فتأملي في معاني هذه الآية العظيمة واعملي بها والله معك.. ونسأله سبحانه لك ولنا التوفيق والرشد.. ونتمنى أن نسمع أخبارك الطيبة عما قريب.

ــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت