فهرس الكتاب
الإنترنت والهاتف
السلام عليكم ورحمة الله، تحياتي لكل من ساهم وكتب في هذا الموقع الأكثر من ممتاز، وتمنياتي بمزيد من التوفيق والازدهار، وجعل الله كل ما تقومون به في هذا الباب من حل لمشاكل وتعريف الناس الطريق الصواب في ميزان حسناتكم جميعًا.
أتابع منذ مدة مشاكل الشات وما يقابل الجنسين من مشاكل بسبب هذا الاختراع الذي في نظري أكثر من رائع لولا ما يقابل الجنسين من مشاكل في حياتهما الزوجية، وأنا أعتبر هذا هروبا من الواقع إلى عالم الخيال.
وكل شخص يتحدث مع آخر يرسم في خياله الصورة الجميلة المثالية التي يحلم بها مع شريك حياته، وهذا نابع من عدم الحصول على هذه الصورة في الحقيقة، وأيضا عدم الرضا بقضاء الله.
أنا متزوجة منذ 10 سنوات، من عمر 15 عامًا أقرأ للكاتب العزيز على قلبي عبد الوهاب مطاوع الذي أعتبره أبي الروحي، رغم أنه لا يراني ولا يعلم عني شيئا.
كنت أستفيد كثيرًا من كتاباته وحلوله لمشاكل القراء، وازددت منها خبرة وعمرًا على عمري، وكنت دائما يلقبني أهلي بـ"العاقلة"، وكنت أعتبر هذا ثقة منهم في، وكنت دائما أحب أن أكون عند حسن ظنهم والتزامي، وألا أكون مخطئة في أي شيء، وكان هذا يتعبني من الداخل أكثر مما تتصور؛ فكنت لا أخطئ، وأخاف من الوقوع في الخطأ، وأحذر كل الحذر من أن أقع في الحب أو أتكلم مع شاب.
وكانت صديقاتي لا يصدقن أني لا أعرف شابًا رغم أني جميلة، وفي سنٍّ أيُّ بنت فيها لا بد أن تخوض ولو تجربة حب، ولكن كنت أكبح جماح نفسي، ولم أترك نفسي لحظة واحدة لهواي وقلبي، وظللت أخاف من الوقوع في الحب، وأعتبره خطأ فاحشًا، وأعتبره مغضبًا لله وخيانة لثقة أهلي، وعشت أتمنى أن أضع كل حبي لمن سيكون زوجي؛ حتى لا أعذب نفسي بحب رجل ولا أتزوجه.
المهم تزوجت رجلًا يحمل كل معاني الرجولة من أخلاق وكرم وحب جارف لي، حتى إنه يعمل ولا يعرف شيئا عن راتبه؛ فكله لي، وكنت -كما تعودت- عند حسن ظنه من محافظة على بيته وماله وعرضه، ولم يهمني فارق السن ولا فارق الشكل بيني وبينه، بل عشت معه فقط لأنه رجل طيب يحبني، وأنه اختيار الله لي، وهذا في حد ذاته نعمة من الله، تزوجت وعمري 19 سنة.
وسافرت مع زوجي للبلد الذي يعمل به، وتركت أهلي وبلدي، وتحملت كل شيء لأثبت أني على قدر المسئولية، وحتى لا يقول الناس: إني تعبت من الغربة، فأنا دائما أخاف من النقد.
تحملت أن أعيش مع شخص أعتبره شخصا طيبا كريما يحبني، ولكن لا أحبه ولا أشعر أني متزوجة أبدا، دائما أشعر أنه رجل طيب، أعامله فقط إرضاء لله، ولكن عندي إحساسا أنه ليس زوجي، وأن زوجي رجل آخر أراه في أحلامي لم أبحث عنه ولا أشغل بالي به، وكنت أعتبر ذلك خيانة، وحتى يرتاح ضميري كنت أحكي لزوجي هذه الأحلام.
وعشت هذه الحياة بحلوها ومرها، وأتحمل كل شيء، وهناك شيء غريب بداخلي يجعلني أصبر، شيء في حياتي يحدث ولا أعلمه، وفكرت أكثر من مرة أن أترك زوجي؛ لأني أخاف أن أعوض كبت مشاعري وحرماني مع غيره.
وبرغم حرصي الشديد إلى ما لا نهاية وقعت في الفخ عن طريق الإنترنت، وأخرجت كل الحب الذي في قلبي، كنت أعيش كل مشاعر الحب التي حرمت منها، وكان إحساسي بالذنب يقتلني، ولكني أريد أن أحب ولو في الخيال؛ لأنني مستحيل أن أسمح لنفسي خوض التجربة في الحقيقة، وكنت أقول: هذا حلال لأنني لا أراه ولا يراني، ونفسي قبل الشيطان سولت لي وشجعتني، والآن لا أدري هل ما عشته عوضني ما حرمت منه في الصغر؟ هل عقدتي انتهت وأصبحت طبيعية؟
لقد كتبت كل شيء بصراحة؛ لأني لاحظت من ردكم وكتاباتكم حبكم الشديد على وصول أصحاب المشاكل إلى بر الأمان؛ ولذلك فأنا منتظرة منكم الرد؛ فهل أنا مصابة بفصام في الشخصية؛ أعيش بشخصية وبداخلي شخصية أخرى تخرج عند دخولي عالم النت؟ ولكم تحياتي وحبي وتقديري لجهودكم، وأرجو ألا تهملوا رسالتي.
... المشكلة
د.أحمد عبد الله ... اسم الخبير
... ... الحل ...
... الأخت السائلة، لم نتعود أن نهمل أي رسالة تصلنا؛ فما بالك ورسالتك تأتي في موضوع هو بؤرة اهتمام أساسية لنا في الفترة السابقة والقادمة بإذن الله!!
لست وحدك يا أختي التي تحتاج إلى حب وعواطف متبادلة، والحاجة إلى الحب -أي إلى أن يكون الإنسان محبا ومحبوبا- حاجة طبيعية فطرية، والقرآن يتحدث عن الحب بأنواعه ودرجاته، ويضع عاطفة الحب في المكان اللائق بها، والحب بين الرجل والمرأة نوع من الوقود الإنساني الذي تحتاجه حياة كل منهما لتسير وتنطلق الطاقات البشرية لتعمر الأرض كما أمر الله سبحانه.
والأسرة كيان فريد يهتم الإسلام به اهتماما هائلا، والحديث عنها في القرآن يكاد يشغل جزءا من كل سورة بل أحيانا سورًا بأكملها؛ لأنها نواة المجتمع كما يريدها الإسلام، والنواة تحتاج إلى تماسك، وقوى هذا التماسك تتمثل في الحاجة الإنسانية للحب والجنس والتشوق إلى الامتداد بإنجاب الذرية.
والأسرة التي لا تحقق لأحد طرفيها أو كليهما إشباعا معقولا في أحد هذه الجوانب أو كلها، تكون أسرة ينقصها شيء تحتاج إلى استكماله برضا وتنازل، أو بطرق أخرى أخشى أن بعضها يتعارض مع القيم والمثل التي
تؤمنين ونؤمن بها.
وكم صرخنا على صفحتنا هذه مناشدين الأزواج والزوجات أن يتعلموا فقه المحبة وطقوس الحب ويمارسوه في دائرته السليمة؛ حتى لا يكونوا عرضة للميل خارجها، ولكن يبدو أن الأغلبية ما زالت تعتبر أن الطرف الآخر في العلاقة الزوجية قدر محتوم لا فرار منه ولا حيلة معه ولا أمل فيه.
ولو حاول الطرف الشاكي أن يلفت نظر الطرف الآخر أو يعاتبه أو يساعده؛ فإنه سرعان ما يتوقف عن هذه المحاولات ظنا منه أنه يستطيع الصبر على الجفاء، أو مراعاة لخاطره؛ فلا يريد أن يكثر من لومه، أو يأسا من الإصلاح وحفظا لماء الوجه. وكلها مبررات واهية ودوافع مفهومة، ولكنها لا تكفي لتبرير التوقف عن المحاولة، ثم الوقوع في فخ علاقات إلكترونية لتحقيق تعويض عن الإشباع المفتقد؛ فتكون النتيجة -كما يقول المصريون-"ذهب يكحلها فأعماها"؛ فالعين بدون كحل تقوم بوظيفتها الفسيولوجية وهي الإبصار، ولكن صاحبنا أو صاحبتنا تريد الوظيفة الجمالية للعين أيضا، فذهبت تكحلها فأعمتها!!
والداخل إلى علاقة إلكترونية يعتقد أنه بها سيستكمل نقصا يشعر به في حياته، وأن هذه العلاقة آمنة؛ لأنه لا يرى الطرف الآخر ولا يراه كما تقولين. والحقيقة أن المسألة أكثر تعقيدا مما تعتقدين، ولعلك قد قرأت إجاباتنا السابقة، ومنها إنقاذ ضحايا الشات ، وأنت تشيرين إلى بعض جوانب التعقيد في رسالتك؛ فتجربة تجسيد الحلم والخيال الذي عشت ترينه في منامك وتصارحين زوجك به دون خشية أو تردد، ثم لما أصبح حقيقة افتراضية على شبكة الإنترنت شعرت بأنك أصبحت تمارسين شيئا آخر لا هو بالخيال والحلم القديم، ولا هو الخيانة بمفهومها التقليدي، وحاك الأمر في صدرك، فجئت تسألين: ما هذا وهل هو حلال؟! وماذا يحدث لي؟ وهل أنا مصابة بانفصام الشخصية وتعدد الشخصيات؟!
والحقيقة أن الإنترنت وعلاقاته تفتح الباب لهذا كله؛ ففيها نوع من تجسيد الأحلام والرغبات الدفينة، وفيها ظهور لجوانب من الشخصية لم تكن واضحة لصاحبها، وفيها مشاعر متناقضة ومتضاربة، وفقدان السيطرة والتحكم في مقابل التحلل من القيود والضوابط التي تكون موجودة في أي علاقة اجتماعية علنية، وهي علاقة غامضة وملتبسة ومريبة، وأنا أتحدث بالطبع عن العلاقات العاطفية، ولا أتحدث عن اتصالات العمل أو غيرها من الأهداف الواضحة المعلنة بمعرفة الجميع. إن الإنترنت يبدو فضاء من السهل أن تغيب عنه القيم المتعارف عليها، ومن السهل أن يتورط الإنسان فيه بما لا يقصده تماما، ولا يريده قطعا ولا يهدف إليه، وإنما يضع الإنسان نفسه في حالة من النشوة المصطنعة والفرح والحنين، وجمل من المشاعر التي يريدها، ويتطلبها في الواقع؛ فلا يجدها، فيذهب يبحث عنها في الفضاء الإلكتروني.
لا يا أختي لست مريضة ولا فصامية ولا متعددة الشخصيات، أنت واحدة من الملايين التي أغوتها هذا الشبكة بسحرها الآسر، وأرجو أن تعتبري ما حدث لك تجربة من تجارب حياتك؛ لتتعلمي منها، وتعرفي أكثر عن نفسك، وعن احتياجاتك، وأن تبدئي من جديد في محاولة تعليم زوجك كيف يتبادل معك الحب والحنان، فإذا نجحت نجحتما ونجحت العلاقة، وإذا لم تنجحي فلا تيئسي سريعا، وحاولي مرات ومرات؛ فالتنقيب عن الماء وسط رمال الصحراء خير من الاكتفاء بالسراب الذي لا يروي عطشًا ولا يشبع نفسًا، وإنما يكون بمثابة التخدير الذي لا يحل أي مشكلة، وإنما يضيف إليها مشاكل جديدة.
والتمسي في غربتك الصحبة الصالحة والنشاط النافع.. فإن تجدد النفس وتحققها في ميادين الحياة المختلفة يوازن حاجتها على الحب والدعم والمساندة، ولهذه الأمور مصادر أخرى غير الزوج وغير العلاقات الإلكترونية. وتابعينا بأخبارك وبالقراءة.
ــــــــــــــــــــ