فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 14784 من 35630

* محمد قطب

ما قيمة العقيدة؟ ما دورها في الحياة؟ هل يمكن أن يكون لها اليوم دور في عصر الآلة والإنتاج الكبير؟

وما غرض العقيدة؟ أوَليس هدفها إقامة الحياة البشرية على أسس صالحة؟ لقد تولى ذلك عنها العلم في العصر الحديث، فأقام نظمًا اقتصادية واجتماعية من شأنها تنظيم العلاقات بين الناس على أسس الاشتراكية والتعاون، بحيث تجعلهما جزءًا من النظام العام، تشرف عليه الدولة، وتضع له التشريعات والقوانين.

فماذا بقي إذن من مهام العقيدة لم تقم به (( الدولة ) )الحديثة؟ لقد كان للعقيدة دور هام تؤديه يوم كانت الدولة في طفولتها، وعلاقات الناس شخصية أكثر منها جماعية ونظامية. أما اليوم فقد صيغت العواطف نظمًا والنوايا الطيبة أعمالًا منظورة. وتحول العدل الاجتماعي من دعوة ووعظ، إلى نظريات علمية وتطبيقات عملية. فما شأن العقيدة في العالم الحديث؟

كذلك يتحدث الشباب عن العقيدة .. مخلصًا حينًا، ومستمعًا حينًا إلى غواية الشياطين ينفثون في فكره، ويجرونه من خيوط الرغبة الهائجة والشهوة المجنونة.

والشباب دفعة الحياة الجارفة وطاقتها المذخورة. ولكنه كذلك ذخيرة خطرة حين ينحرف عن طريقه ويضل عن الهدف المنشود.

والضلال الأكبر الذي يشمل هذا الجيل من البشرية هو استغلاق روحه عن العقيدة، وانطماس بصيرته أن تستمتع بنورها الشفيف.

(ويحسبون أنهم مهتدون) ..

كانت الجاهلية الأولى تعبد أصنامًا فجة الصنع أو فجة العقيدة. لذلك انهارت في يسر. وإن كان هذا اليسر النسبي قد استغرق بضعة قرون من الكفاح، وبضعة آلاف من أرواح البشر استشهدوا في الطريق.

والجاهلية الثانية تعبد أصنامًا لا سبيل إلى كفاحها في يسر أو تحطيمها في هوادة، لأنها لا تقوم على باطل مطلق كأوثان الفراعنة والبدو، والإغريق والفرس، بل تقوم على ركيزة هائلة من (( الحق ) )هي ركيزة العلم.

العلم حقيقة محايدة، لا تؤدي بذاتها إلى الخير أو الشر، ولا تؤدي بذاتها إلى الهدى أو الضلال. ولكن القلب الذي يستخدم هذه الحقيقة هو الخير أو الشرير، هو الذي يتجه بها إلى طريق الهدى أو طريق الضلال.

لو أفلت نظام الكون .. لو انحلت الرابطة التي تربط كوكبًا بكوكب، وتسير الأفلاك في الكون العريض .. كيف يحدث؟

ولو أفلت نظام الذرة، وهي البنية التي يقوم عليها الكون، لو تفتت نواة الذرة التي تمسك حولها الكهارب المنطلقة في نشاط دائم .. كيف يحدث؟

هل يحدث إلا الفوضى المدمرة والضلال الرهيب .. ؟

ذلك ما حدث لهذا الجيل من البشرية. تفتت نواته. وانطلقت كهاربه المجنونة تصطدم وتتحطم، وتدمر كل ما تصادفه في الطريق.

وهل يمكن أن تكون النواة في الكيان البشري غير العقيدة؟

النواة هي الطاقة الموجبة في بناء الذرة. وهي التي تمسك الكهارب المنطلقة أن ينحل عقدها، وتنفلت إلى غير رجوع. هي التي تمسك البناء كله وتشده بعضه إلى بعض. هي التي تحفظ التوازن وتسير النظام. هي المركز الذي يدور كل شيء حوله، ويظل أبدًا منجذبًا إليه في رباط خفي ولكنه وثيق.

وحين تتحطم الذرة يحدث الخراب. تنطلق القوى التي كانت خيرة منذ لحظة، لأنها كانت ـ وهي مشدودة إلى النواة ـ تمثل النشاط الدائب الذي يعمل للبناء. تنطلق هذه القوى بلا ضابط، فتصبح هي قوى الشر وعوامل التدمير!

وكذلك الإنسان بلا عقيدة!

كتلة هائمة من النشاط المجنون. نشاط مدمر لأنه فقد المركز الذي يدور حوله، وفقد كذلك الرباط الوثيق بين أجزائه.

أو .. ميوعة وانحلال. تفكك ورخاوة. تفاهة سالبة، كالكهرب السالب بلا نواة تشده إليها وتحركه إلى هدف معلوم.

فهل رأت البشرية في تاريخها الطويل من دواعي القلق والفزع ما تراه اليوم من الحرب الذرية؟

وهل رأت من الانحلال الخلقي والتفاهة المشردة ما تراه اليوم في المراقص والحانات، والغابات والطرقات، والصحف العارية والسينما المبتذلة و (( الفن ) )الخليع؟

نعم. مر على البشرية مَن كان ذلك ألوان. ولكنها لم تبلغ قط في حدتها وضراوتها ما بلغته في هذا الجيل.

يقولون لك: هذه ضريبة العلم.

كذبوا: إنها نتيجة الضلال.

ليس العلم شريرًا في ذاته. وليس من الضروري أن تكون ضريبته هي هذا الشر الضارب في الآفاق.

ولكنه هو هكذا المخلوق البشري حين ينحل رباطه ويختل توازنه. هو هكذا يصبح قطعة من الشر، وصنوا للشيطان.

وتذكر الإحصاءات أن ما ينفق في المواخير ونوادي الميسر ووسائل الهبوط المختلفة، من ساعات العمر ومن الأموال التي تمثل الكد البشري، هو مئات الملايين.

يقولونها للتسلية والتندر.

ليس هناك إحساس حقيقي بكرامة البشرية أن تهبط إلى هذا المستوى من التفاهة والانحلال.

ليس هناك استخسار حقيقي للطاقة البشرية الضائعة في لا شيء، المنحدرة إلى الهاوية.

ليس هناك تقدير حقيقي لتلك الخامة العجيبة التي صنع منها المخلوق البشري. الخامة القادرة على الرفعة بقدر ما هي قادرة على الهبوط.

ليس هناك معرفة حقيقية بهذا الجوهر الفذ الذي نفخ فيه الله من روحه وخلقه على صورته.

ليس هناك عقيدة.

هل معنى ذلك أن نغمض أعيننا عن كل ما أحرزته البشرية في العصر الحديث من تقدم؟ ونلغي من حسابنا كل ما يسره العلم من الخدمات؟

كلا! ما قصدنا إلى شيء من ذلك. وإنه لضرب من المستحيل.

وإنما نقصد فقط أن نراجع الوسائل والأهداف.

لأي معنى نعيش؟

هل كل همنا أن نبدد طاقتنا الحيوية في متاع الجسد، أو نتصارع كالوحوش على الغلبة والسلطان؟

أو لشيء أعلى من ذلك نعيش؟

نستمتع بمتعة الجسد، ونتطلع مع ذلك إلى أفاق أخرى، آفاق تربط بين البشر برباط الأخوة وتهدف إلى الجمال؟ الجمال في كل شيء. جمال التعبير، وجمال الشعور. لا في عالم الفن المحدود وحده ولكن في نطاق الحياة كله ... وهل أجمل شعورًا في النفس من الحب؟ وأجمل تعبيرًا من الخير في الحياة؟

والوسيلة هي العقيدة ..

والمخلوق البشري ككل شيء في بنية هذا الكون الأعظم (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) .

نواة موجبة الطاقة وكهارب سالبة تستمد منها الحركة الدائبة والهدف المحدد الاتجاه.

هذا .. أو الفوضى الضاربة الأطناب.

والعقيدة هي الرباط الذي يربط كيان الإنسان ويوحد اتجاهه. هي العقدة الصلبة التي تمنع انحلاله. هي التي تنظم غدوه ورواحه. وتوازن بين دفعاته المتشعبة الأهداف.

ولا شيء يستطيع أن يغني في ذلك غناء العقيدة. لا العلم. ولا الدولة ولا التنظيم الاجتماعي. ولا تنظيم الاقتصاد.

كلها جزئيات تشمل أجزاء من الكيان البشري ولا تجمعه كله. والويل لها إن لم يكن بينها ترابط يجمع شتاتها ويوزان بين دفعاتها المتشعبة الأهداف. فعند ذلك تمزق المخلوق البشري بين الشد والجذب، وتفسد أعصابه، وتدفع به إلى الجنون.

الجنون الذي يسمونه الحرب. أو الجنون الذي يسمونه صراع الحياة.

أو في القليل جنون التكالب على المتاع الجسدي المسعور.

والعقيدة هي الرقية من هذا الجنون.

إنها ليست بديلًا من العلم. أو الدولة. أو التنظيم الاجتماعي. أو تنظيم الاقتصاد.

وإنما هي الرباط الذي يربط كل ذلك، ويوجهه إلى طريق الخير. هي النواة التي تمسك كيان الذرة وتنظم ما فيها من النشاط.

والنواة ـ وهي ثابتة راكزة ـ لا تعيق نشاط الكهارب ولا تمنعها من الانطلاق.

تمنعها فقط من الفوضى والتصادم. تمنعها من الانفلات بلا غاية ولا دليل. لأنها عندئذ تفقد معناها. تفقد وظيفتها الحقة، وتصبح أداة للهدام فوق أنها هي ذاتها تضيع.

والعقيدة لا تمنع الاستمتاع بالطيبات من الرزق ولا تحرم زينة الله التي أخرج لعباده. ولا تمنع كذلك تقدم العلم وتنظيم المجتمع.

وإنما تجعل لكل ذلك غاية. غاية غير الصراع المجنون والتدمير الرهيب. غاية هي الشعور الجميل والتعبير الجميل. غاية هي الحب وهي الخير.

والحب هو الله.

والخير هو الله.

والله جميل يحب الجمال.

ــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت