فهرس الكتاب
لا يمكن حصر الانحرافات الشبابية ضمن نقاط محدّدة ، فهي تتعدّد بتعدّد البيئات والأجواء وطبيعة العصر وتربية الشباب أنفسهم . لكن ثمة مظاهر للانحراف تكاد تكون مظاهر مشتركة ، ومنها:
1 ـ الاختلاط (( 1 ) )والتحرّش الجنسي:
فتحت أجواء الاختلاط المفتوح بين الجنسين المجال واسعًا لحالات التحرّش الجنسي اللفظي أو الفعلي ، أي جعلت من تبادل الكلمات الخارجة عن الحياء ، والتي ترتفع فيها الكلفة أو الحرج بين الشاب والفتاة أمرًا عاديًا لا يثير التساؤل أو الاستهجان . وقد يتعدّى الأمر حدود الكلمات إلى ما هو أكثر من ذلك:
نظرةٌ فابتسامة فسلامُ***فكلامٌ فموعدٌ فغرامُ
مما يجعل من الاختلاط البعيد عن المراقبة ، واللقاءات الثنائية ، والخلوات ، ساحة خصبة للانحراف عن خط العفّة .
ففي مثل هذه الأجواء يجري التساهل في أمرين:
ـ (الستر) من قبل الفتاة .
ـ (النظر) من قبل الشاب .
وكلاهما داعيتان من دعاة الانحراف ، حيث أثبتت الدراسات واستطلاعات الرأي أنّ الفتاة التي تتزيّن وتتبرّج وتخرج بملابس مثيرة وتقوم بحركات إغوائية لافتة ، عرضة للتحرّش بما لا مقارنة مع الفتاة المستترة المحجّبة . وإذا حصل بعض الانحراف في أوساط بعض المحجبات فلا بدّ أن يكون السبب في ذلك راجعًا لواحد من أمرين:
أ . أن تكون صاحبة الحجاب ارتدته مكرهةً وبناء على ضغط أسري أو اجتماعي خانق ، وعن عدم قناعة شرعية أو دينية في أ نّه مطلبٌ إلهيّ لحماية المجتمع من الانحراف ، وليس إرادة أبوية أو اجتماعية فقط .
ب . أن تكون محجّبة في الظاهر ومتساهلة في الداخل ، أي أنّها تمارس أفعال غير المستترات سواء في تبادل الكلمات التي لا تراعي الحياء ، أو مجاملة الشبان التي قد تتعدّى حدود المصافحة إلى توزيع الابتسامات والغمزات والإشارات ، فلا يكون الحجاب هنا سوى قشرة خارجية خفيفة سهلة الكسر أو الإزاحة ، ومردّ ذلك هو التناقض أو ازدواجية الشخصية لدى الفتاة التي استترت ظاهرًا وتبرّجت عملًا .
2 ـ السفور والتبرّج:
أراد الاسلام للفتاة أن تستتر كجزء من مسعىً شامل للحفاظ على أجواء العفّة بين الجنسين ، وطلب إليها إلى جانب ذلك أن تمتنع عن
استخدام أساليب الإثارة من قبيل اظهار زينتها ، أو ترقيق صوتها ، لأن ذلك مما يثير الريبة أو يُطمع الذي في قلبه مرض من الشبان .
فإذا خرجت الفتاة سافرة تكشف عن شعرها أو أجزاء من جسدها ، ومتبرّجة بزينتها ، فإنّها تكون قد انحرفت عن الخط الذي رسمه الاسلام لها في هذا المجال ، وأثارت بأنوثتها المثيرة الانحراف لدى الشباب ، والنتيجة هو ما سبقت الإشارة إليه من حالات ومظاهر التحرّش الجنسيّ ، فالسافرة والمتبرّجة ـ ومن خلال رصد ميداني ـ تتعرّض إلى الحالات السلبية التالية:
أ . التغزّل بها وبجمالها بغية الإيقاع بها في الفخ .
ب . إسماعها كلمات جنسية بذيئة وقحة ومكشوفة .
ج . مطاردتها هاتفيًا .
د . ملاحقتها في مسيرها اليومي من البيت إلى المدرسة وبالعكس وفي أي مكان آخر ، ومضايقتها في الأثناء بشتّى المضايقات .
هـ . تعرّض البعض إلى الخطف والإغتصاب .
3 ـ الإدمان على المخدّرات:
الإدمان ـ كما هو أي انحراف آخر ـ يبدأ خطوة صغيرة قد لا تثير
الإنتباه ، كما لو كان الشاب أو الفتاة يجرّبان نوعًا من أنواع المسكرات أو التدخين للاستمتاع في حفلة أنس وطرب وإغراء ، أو تقليد الآخرين حتى لا يقال عن الشاب أ نّه (معقّد) أو انّه ليس برجل ، وما إلى هناك من طرق خبيثة يجيدها المنحرفون الذين يعملون دائمًا على كسب زبائن جدد حتى لا يكونوا ثلة شاذّة أو منبوذة ومحتقرة .
ثمّ تتبع الخطوة خطوات ، وقد تتسارع الخطوات التالية وتتسع ، فلا يقتصر الأمر حينذاك على الاحتفالات وجلسات السمر والاستمتاع العابر ، وإنّما تتحول إلى إدمان ومعاقرة .. وهكذا تقع الطامّة الكبرى .
4 ـ التقليد الأعمى (( 2 ) ) (انسحاق الشخصية) :
سواء كان التقليد الأعمى تقليدًا لما يطرحه الشارع من انحرافات تأتي إلينا من الخارج كما هي الموضة ، أو مما هو مصنوع محليًا من بذاءات وإساءات ، هناك مَنْ يروّج لها ويدفع الثمن حتى تأخذ طريقها إلى الشبان والفتيات .
وسواء كان تقليدًا للحياة الغربية التي تتّجه إليها الأنظار على أنّها حياة (الرقي) و (التقدّم) و (التطور) و (السعادة) ، فإنّ التقليد هنا لا يراعي الهوية أو الخصوصية . وبعض ما يأتي به الغرب لا غبار عليه ، فالأمم تتعارف فيما بينها وتنتفع بتجارب وخبرات بعضها البعض ، لكنّ الشاب الذي يأخذ عن الشاب الغربيّ حريّته المنفلتة ، وضعف انتمائه الأسري ، واستغراقه في اللهو والعبث والشهوات ، وضعف اهتمامه الديني والتحلّل من مسؤولياته الاجتماعية والدينية والأخلاقية ، هذا الشاب لا يقلّد تقليدًا مدروسًا وإنّما يلتقط من الشارع الغربيّ جيِّده ورديئه .
لماذا كان التقليد الأعمى انحرافًا ؟
لأ نّه خروج عن خط السير ، فالميوعة والتهالك على الملذّات والحصول عليها بأي ثمن ، والانصراف عن المسؤوليات والواجبات ، والاهتمام المفرط بالمظهر ونسيان الجوهر ، وتربية البدن واهمال العقل ، وما شاكل ، هي التي خرّجت أجيالًا من الجناة والجانحين والعصاة والمتمردين والشاذّين ، والناقمين على الدين ، ليس في ديار الغرب فقط بل في ديارنا أيضًا .
5 ـ ارتياد الأماكن المريبة وهجران الأماكن الصالحة:
ومن مظاهر الانحراف في أوساط الشبان والفتيات هو الإقبال الشديد على أماكن اللهو والمتع الرخيصة أو المشبوهة ، أو التي تصرف عن الاهتمامات الأساسية ، والانحسار الشديد عن المراكز التربوية والتثقيفية والدينية كالمساجد والندوات الهادفة ، ومراكز التأهيل الاجتماعي ، والمنتديات الشبابية الجادّة وأماكن التسلية السليمة .
(1) الاختلاط سمة من سمات عصرنا الحاضر ، فحتى لو فصلنا بين الجنسين في المدارس فإنّ الأسواق والشوارع والمنتزهات ودور السينما وقاعات الإحتفال والأعراس كلّها فرص مناسبة ، وإن كانت المدرسة أو الجامعة الفرصة الأوسع ، ولذا فإن ما ينبغي أن يراعى ليس منع الإختلاط وإنّما تربية الوازع الديني والأخلاقي لدى كل من الشاب والفتاة .
(2) يرد هذا التعبير أو الاصطلاح كثيرًا في كتاباتنا وهو يشير إلى التقليد السلبي ويعني أن هناك تقليدًا آخر يمكن أن نسمِّيه (التقليد الواعي) . فالتقليد ليس مذمومًا دائمًا ، وإلاّ فالإقتداء مثلًا هو لون من ألوان التقليد الإيجابي الواعي ، والكثير من المبدعين بدأوا مقلدين ثمّ شقّوا لهم طريقًا خاصًا تميّزوا به .
ــــــــــــــــــــ