فهرس الكتاب
هموم الدراسة, مع النفس
لن أطيل عليكم بالكتابة وسأدخل في مشكلتي.. أنا طالبة جامعية/ سنة أولى/ ومشكلتي أني إلى الآن لا أعرف ماذا أدرس؟ ففي البداية طلع قبولي بالجامعة في تخصص أنا أحبه جدا، وحمدت الله على ذلك، وكانت هذه دائما أمنيتي أن أدرس هذا التخصص، ولكن قبل بداية الدراسة بالجامعة عرض علي أهلي تغيير تخصصي لتخصص آخر؛ لأن مجاله أفضل من الذي تم قبولي فيه، وحاولوا إقناعي بذلك وأنا استخرت كثيرا، وبعد إقناعهم لي وكلت أمري لربي، وقلت: سأدخله وأحاول به مع عدم رغبتي التامة فيه، وقلت: إني أتمنى أني بذلك أرضي أهلي حتى لو أني لا أريد هذا التخصص، وبالفعل حولت لهذا التخصص الجديد، وأنا بداخلي أرفضه، وحاولت بالبداية أن أقنع نفسي وأن أتقبله، ولكن دون فائدة؛ لأن ميولي أبدا ليست لهذا التخصص، ولم أستطع أن أتقبل الوضع الذي أنا فيه، وعرضت على أهلي فكرة أن أرجع لتخصصي السابق، ولكن ذلك لم يعجبهم، ولكن لم يجبروني على شيء، بل تركوا لي حرية الاختيار مع عدم رغبتهم، وأنا استخرت للتحويل وكنت مرتاحة، وبالفعل قدمت طلب تحويل لتخصصي السابق.
والآن أنتظر القبول، وكل من أخبره يأني سأحول من تخصصي لا يعجبه، ويقول لي:"بلا هبل"، ولكني مقتنعة بما أفعله؛ لأني أعرف نفسي، سأبدع بهذا التخصص؛ لأني فعلا أحبه والحمد لله بالمدرسة كانت علاماتي دائما عالية..
والآن أنا أعيش فترة صعبة؛ لأني أخاف أن أكون قد تسرعت في اختياري كون أن أهلي لم يعجبهم ذلك، ولكني في قرارة نفسي أريد أن أرجع لتخصصي السابق.. هل ما فعلته سيجعلني أندم في المستقبل؟ هل ما فعلته خطأ؟ أرجوكم أفيدوني أفادكم الله.
... المشكلة
أ.منيرة عثمان ... اسم الخبير
... ... الحل ...
... أختي الكريمة،
أحمد فيك حوارك الصريح مع نفسك، وتحديدك الواضح لقدراتك وميولك؛ فكثير من الشباب الآن لا يستطيع تحديد ما يريد، وكيف يحقق ما يريد، وقد لا يدركون هذا إلا بعد فوات الأوان؛ فقد ينتهي البعض من الدراسة الجامعية، ويكتشف بعد أن يمضي 4 أعوام من عمره أو أكثر في تخصصه ودراسته أنه لا يريد هذا النوع من التخصص، ولا يجد ذاته فيما يدرس أو يعمل.
حبيبتي الغالية،
حيرتك جعلتني أتذكر موقفا لصديقة احتارت كثيرا في موقف تعرضت له، وكان أمامها خياران:
-إما أن تقبل عرض الوظيفة المقدم لها في المؤسسة التي تعمل بها، وهي تشعر أنه لا يتناسب مع طموحاتها وميولها.
-وإما أن تترك وظيفتها، وتقوم فقط ببعض الأعمال في هذه المؤسسة، وهذا يترتب عليه أنه لن تأتي لهذه المؤسسة إلا يوما أو يومين فقط في الأسبوع بعد أن كانت هذه المؤسسة جزءا مهما من حياتها، ومعظم أوقات يومها فيها.
وهي شغوفة بهذه المؤسسة وبجميع من حولها في هذا المكان، وتعتبره ليس فقط مكان وظيفتها، وإنما رسالة في حياتها، ولتمسكها برسالة هذه المؤسسة -وهي بمثابة مؤسسة إسلامية دعوية ورسالتها راقية وهادفة أحبتها- تشعر بأنها جزء من كيانها.
والخياران كانا بمثابة تحديين لها، وقد تخبطت بعض الوقت، ومرت بفترة صعبة من التفكير والقلق لتستطيع اتخاذ قرارها.
استخارت واستشارات من حولها، والبعض كان يؤيدها في قرارها لترك الوظيفة، والبعض كانوا يعارضون قرارها بأنها ستترك وظيفتها الرئيسية في المكان لمجرد أنها لا تتناسب مع طموحاتها وميولها.
وأخيرا.. اتخذت قرارها بترك الوظيفة والبحث عما تجد فيه تحقيق ذاتها وطموحاتها مع عدم ترك الصلة بهذه المؤسسة والحضور إليها ولو مرة أسبوعيا، والحرص الدائم للإيجاد فيها على عمل يناسب طموحاتها وقدراتها وتنمية إمكانيتها ومهاراتها في آنٍ واحد، وبعد مرور هذه التجربة على صديقتنا قد أصقلت بخبرة جديدة؛ لأنها كانت ترى وهي بداخل وظيفتها الأمور من منظور واحد، وبالتالي بدأت تتحرر من رؤية أحادية إلى رؤية متعددة ومركبة، وبدأت محاولتها لإيجاد ذاتها ومحاولة الإبداع في مختلف الحقول التي تشعر بأنها تتناسب مع ميولها وطموحاتها، فبدأت تصقل بخبرات وتجارب جديدة خارج المؤسسة وداخلها، وتتفتح على ميادين عديدة سواء أكاديمية أو اجتماعية أو ثقافية من مؤتمرات أو أبحاث أو ندوات أو خبرات يومية حياتية لهذا الوجود، وتكون رؤية مختلفة، وتشعر بأنها تجد ذاتها وكيانها فيما تصنع، ولديها التفاؤل الدائم والأمل، وقبل ذلك اليقين بأن الله تعالى سبحانه بكرمه وفضله ورحمته سيضعها دائما في المكان الذي تستطيع العطاء فيه، وأن المولى عز وجل سيستخدمها فيما يحب ويرضى؛ فهو كريم رحيم مجيب دعوة الداعي إذا دعاه.
حبيبتي..
قصدت من طرح هذه الخبرة أن أوضح لك ولقراء صفحتنا أن الاختيار سواء في ميدان الدراسة أو العمل يجب أن يتم على أسس، منها تحديد ماذا نريد، وماذا نحب، ومعرفة قدراتنا وميولنا ومهارتنا ومحاولة إشباعها وتنميتها والإبداع المستمر في الميدان الذي نشعر بشغفنا به وقدرتنا على تنميته.
أختي الغالية،
حددي قدراتك وميولك واتجاهاتك، وإن وجدتِها في الاختصاص الذي تريدين الالتحاق به فلا تتردي.
فالإنسان بطبيعته البشرية إن أحب وكان مهتما بتخصصه فسيبدع فيه ويصقل بخبرات وتجارب جديدة ومثمرة، ويكون مستمتعا ومندمجا فيما يدرس أو يعمل وهذا نفتقده كثيرا الآن.
أما بالنسبة لعدم إعجاب بعض البشر من حولك بما تريدين القيام به فتفسيره أن بعضا من البشر يتأثر بنظرة المجتمع، وينظر للتخصصات من منظور ضيق وأحادي الرؤية؛ فمن وجهة نظر تفكيرهم يوجد ترتيب أفضلي للتخصصات في المجتمع؛ فمثلا توجد أفضلية لتخصص الطب عن العلوم، والهندسة عن التجارة... ولكن قد يبدع الشاب في العلوم ويضيف لها ولذاته خبرات جديدة، وإن دخل فرع الطب لا يستطيع أن يضيف إضافة جديدة أو ينجز مثلما أنجز في العلوم؛ ولذلك يجب أن تتغير هذه النظرة. فليس النجاح بدخول تخصص أو فرع عليه الإقبال، وإنما النجاح والتميز بمعرفة قدراتنا وميولنا ودمجها مع التخصص الذي نحبه ونستمتع به.
هذا لا يتعارض مع أهمية كل التخصصات.. فالطب والهندسة والعلوم وجميع الفروع مهمة، ولكن اختلاف الأمة رحمة؛ فيجب أن تتنوع الأمة في قدراتها وتخصصاتها ووظائفها، ويكون من منطلق قدرات وميول واتجاهات الأشخاص، وهذا هو عين التميز.
أما بالنسبة لرضا والديك فإن لمسا إبداعك وتفوقك في التخصص الذي تريدين الالتحاق به فسيفخران بك.. وسيسعد قلبهما.. وستتغير نظرتهما للموقف وستفوزين ببرهما.
ولكني يا حبيبتي أنصحك قبل أن تقومي بالتحويل الفعلي أن تطلعي على كتب وموادّ هذا التخصص واهتماماته حتى يكون اختيارك صحيحا ومبنيا على أسس سليمة، واستخيري المولى عز وجل.. وتوجهي لله بالدعاء أن يرشدك للخير حيث كان، ويوفقك لما يحب ويرضى، وتذكري يا أختي الكريمة نيتك في رضا الله عز وجل.. ونفع المسلمين أين كان تخصصك الذي ستلحقين به؟
أخيرا أدعو الله أن يوفقك ويلهمك الخير حيث كان. وتابعينا بأخبارك..
ــــــــــــــــــــ