فهرس الكتاب
دائرة معارف الأسرة المسلمة
الزواج العرفي
جمع إعداد
الباحث في القرآن والسنة
علي بن نايف الشحود
الزواج العرفي .. بدعة شبابية
خالد بركات
•العلماء: الزواج العرفي حلال..ولكن الصياغة الشبابية له جعلته باطلا
• النساء والأبناء ضحايا الزواج السري.. والكبت الثقافي والاجتماعي مع الجهل الديني أهم أسبابه
انتشر بين بعض فئات الشباب في الآونة الأخيرة ظاهرة الزواج العرفي ووجدوا فيه طريقا ملتويا للوصول لأغراض جنسية محضة وغلف هؤلاء الشباب هذا الطريق الملتوي وغير الشرعي بحجج وأسانيد واهية لم يقنعوا بها إلا أنفسهم ووجدوا في هذه الأسانيد الواهية ستارا دينيا يريحون خلفه ضمائرهم الغائبة، وفي حقيقة الأمر فقد وقع هؤلاء في الإثم بعينه.
والخطير في الأمر أن إحصائية جديدة أعلنتها وزارة الشؤون الاجتماعية المصرية كشفت أن 255 ألف طالب وطالبة في مصر اختاروا الزواج العرفي، أي بنسبة 17% من طلبة الجامعات البالغ عددهم 5. 1 مليون، وهو ما يعني أن الظاهرة أصبحت تحتاج إلى تدخل عاجل.
في السطور التالية نناقش أبعاد هذه القضية وموقف الشرع منها.
عن مشروعية الزواج العرفي يقول الشيخ عطية صقر عضو لجنة الفتوى وأحد أبرز علماء الأزهر: يطلق الزواج العرفي على عقد الزواج الذي لم يوثق بوثيقة رسمية، وهو نوعان: نوع يكون مستوفيًا للأركان والشروط، ونوع لا يكون مستوفيًا لذلك.
النوع الأول: عقد صحيح شرعًا يحل به التمتع وتتقرر الحقوق للطرفين وللذرية الناتجة منهما، وكذلك التوارث، وكان هذا النظام هو السائد قبل أن توجد الأنظمة الحديثة التي توجب توثيق هذه العقود.
أما النوع الثاني: من الزواج العرفي فله صورتان: صورة يُكتفى فيها بتراضي الطرفين على الزواج دون أن يعلم بذلك أحد من شهود أو غيرهم، وصورة يكون العقد فيها لمدة معينة كشهر أو سنة، وهما باطلان باتفاق مذاهب السنة.
وإذا قلنا إن النوع الأول صحيح شرعًا تحل به المعاشرة الجنسية، لكن له أضرارا، وتترتب عليها أمور محرمة منها:
1-أن فيه مخالفة لأمر ولي الأمر، وطاعته واجبة فيما ليس بمعصية ويحقق مصلحة والله يقول: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) [النساء: 59] .
2-كما أن عدم توثيقه يعرض حقها للضياع كالميراث الذي لا تسمع الدعوى به بدون وثيقة وكذلك يضيع حقها في الطلاق إذا أضيرت، ولا يصح أن تتزوج بغيره ما لم يطلقها، وربما يتمسك بها ولا يطلقها.
ومن أجل هذا وغيره كان الزواج العرفي الذي لم يوثق ممنوعًا شرعًا مع صحة التعاقد وحل التمتع به، فقد يكون الشيء صحيحًا ومع ذلك يكون حرامًا، كالذي يصلي في ثوب مسروق، فصلاته صحيحة ولكنها حرام من أجل سرقته ما يستر العورة لتصح الصلاة.
وكذلك لو حج من مال مسروق فإن الفريضة تسقط عنه، ومع ذلك فقد ارتكب إثمًا كبيرًا من أجل السرقة
فاسد وباطل !!
ويعلق الدكتور نصر فريد واصل مفتي مصر السابق قائلا أن الزواج العرفي الذي يتم في الجامعات المصرية وغيرها من الأماكن فاسد وباطل ويخل بكل المبادئ والقيم الروحية ويؤدي إلي ضياع الأبناء وتشريدهم في المجتمع ولا تترتب عليه أي آثار شرعية ..
ويشير د . أحمد عبد الغني عبد اللطيف الأستاذ بجامعة الأزهر من خلال بحثه عن الزواج العرفي من الناحية الدينية إلي أن هذا النوع من الزواج يعتبر نوعا من أنواع الزنا لأنه لم تكتمل فيه أركان النكاح وفيه مخالفة لحدود الله ورسوله .. فوجود الولي ركن أساسي من أركان النكاح وقد قال صلي الله عليه وسلم لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل وعدم وجود الولي يجعل الزواج باطلا أصلا ويدخله في حيز الزنا ..
الموقف الاجتماعي:
أما عن الموقف الاجتماعي من هذا الزواج فتقول الدكتورة مديحة مصطفي أستاذة تنظيم المجتمع بكلية الخدمة الاجتماعية جامعة حلوان إلي أن الزواج غير الرسمي"العرفي"هو ظاهرة عصرية يلتقي فيها الرجل بالمرأة تحت وثيقة ورقية عليها شاهدان لكنها ورقة ليست فيها قوة وثيقة الزواج لأن وثيقة الزواج شيء مقدس تحترمه المحاكم والمؤسسات الحكومية والمجتمع إلي جانب أن الزواج الحقيقي يعتمد علي الإعلان والإشهار وإعلام المجتمع به وهو تحصين للمرأة وصيانة لشرفها وحقوقها .
وبالإضافة إلى ذلك فإن الزواج العرفي تنتج عنه آثار اجتماعية سيئة أهمها ضياع حقوق الزوجة حيث أن دعواها بأي حق من حقوق الزوجية لا تسمع أمام القضاء إلا بوجود وثيقة الزواج الرسمية معها .. كما أن الأولاد الذين يأتون عن طريق الزواج العرفي قد يتعرضون لكثير من المتاعب التي تؤدي إلي ضياعهم وإنكار نسبهم .. وأن الزوجة قد تبقي معلقة لا تستطيع الزواج بأخر إذا تركها من تزوجها زواجا عرفيا دون أن يطلقها وانقطعت أخباره عنها بالإضافة إلي ذلك فإن الزواج العرفي كثيرا ما يكون وسيلة للتحايل على القوانين كأن يقصد به الحصول علي منافع مادية غير مشروعة مثل حصول الزوجة علي معاش ليس من حقها لو تزوجت زواجا رسميا ..
أسباب عديدة:
وفي دراسة أخرى حول الإعلام والزواج العرفي قام بها د . أحمد يحيي عبد الحميد الأستاذ بكلية التربية جامعة قناة السويس أشار إلى أن الزواج العرفي يفتقد البيانات الدقيقة والمعلومات الصحيحة نظرا لأن هذا السلوك يتسم بطابع شخصي وخفي ولا يعلن عنه في المجتمع بالإضافة إلي أنه لا يقتصر علي فئة معينة أو طبقة دون أخري.
وقد أشارت بعض دراسات الحالة إلى أن هذه الظاهرة موجودة بين الشباب والكبار والفقراء والأغنياء والمتعلمين وغير المتعلمين ... شباب الجامعات والعمال والموظفين ورجال الأعمال .. وهذا النوع من الزواج يتم شفاهة أو بعقد شخصي بوجود شاهدين دون أي ضوابط قانونية أو حقوق شرعية وخاصة للمرأة.
وأشارت الدراسات إلى أسباب أساسية تكمن وراء انتشار الزواج العرفي أهمها فقدان التكامل العاطفي داخل الأسرة نتيجة انشغال الأب والأم وعدم اهتمامهما بسلوك الأبناء وتركهم وسائل الإعلام وجماعات الرفاق لتشكيل ثقافتهم الجنسية والزواجية .. وكذلك الظروف الاقتصادية والمادية التي تحول دون إقامة زواج شرعي وتوفير متطلباته من مهر وشقة وأثاث وخلافه ، والكبت والحرمان الثقافي إلى جانب الحرية غير المسئولة سواء في الأسرة أو المدرسة أو الجامعة وضعف التثقيف الديني الذي يقوم به الإعلام تجاه هذه المشكلة وبالإضافة إلى ذلك فهناك أيضا التناقض الواضح والازدواجية بين الرموز والقيادات الإعلامية والدينية نحو الاتفاق على خطورة هذا النوع من الزواج على المجتمع ، وكذلك الانفتاح الإعلامي أو التبعية الثقافية الإعلامية في ظل ثورة الاتصالات وانعدام الرقابة وزيادة البحث عن المجهول من المعرفة الجنسية .. خاصة أن الثقافة الزواجية والأسرية لا تحظى بالقدر الكافي من اهتمام ورعاية من وسائل الإعلام على اعتبار أنها من المحرمات الثقافية .
المواجهة:
وتقول نوال المغربي مدير عام إدارة الأندية الثقافية والاجتماعية بوزارة الشئون الاجتماعية المصرية إن ندوة عقدتها الوزارة توصلت إلى عدة توصيات أهمها ضرورة التوعية المستمرة والحوار المفتوح مع أبنائنا وبناتنا لتحذيرهم من مخاطر الزواج العرفي وتوفير الرقابة الأسرية للتعرف علي كل ما يقوم به الأبناء في أوقات فراغهم وعلى جماعة الرفاق المحيطة بهم .
ولما كانت مشكلة الزواج العرفي هي إفراز العديد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية وأهمها مشكلة الإسكان فقد أوصت الندوة بالتكاتف لتوفير المسكن المناسب وخاصة مسكن الغرفة الواحدة بمرافقها، وكذلك ضرورة تنسيق الجهود بين الجهات والوزارات المعنية بقضايا الشباب وذلك بتفعيل دور مكاتب التوجيه الأسري بوزارة الشئون الاجتماعية .
وطالبت الندوة الجامعات والمؤسسات التعليمية المختلفة بأن تبادر بتوعية الشباب بمخاطر الزواج العرفي وبيان أنه مخالف للشرائع السماوية بكل المقاييس وبأن تشمل المقررات الدراسية توضيح أركان الزواج الصحيح بالإسلام والأديان السماوية الأخرى.
المهم في الأمر أن بعض شبابنا قد وقعوا في براثن هذه المشكلة (الفتيات على وجه الخصوص ) وتركهن الأزواج معلقات لا يستطعن أن يتزوجن ولا يعرفن مكان الزوج وأصبحت مشكلة مترتبة على وضع خاطئ وهو الزواج العرفي وتحتاج إلى حل وهذا ما جعل المشرع المصري يسارع لمواجهة هذه المشكلة وذلك عن طريق ما يعرف حاليا في قانون الأحوال الشخصية الجديد بالطلاق العرفي .
ــــــــــــــــــــــــ
الزواج العرفي والأرنب الجائع
بقلم فوزي محمد عويس
بداية نقول بأن الزواج العرفي لا يمثل ظاهرة في المجتمع الكويتي كما هو الحال في دول كثيرة كمصر مثلًا التي اعترفت وزيرة شؤونها الاجتماعية بوجود 170 ألف حالة زواج عرفي بين صفوف طلبة وطالبات الجامعات فقط التي يدرس فيها مليون طالب وطالبة، ولكن القول بذلك لا يعني أن هذا الزواج لا وجود له أو أنه مجرد حالات نادرة، ولا أقول هذا من فراغ فقد سبق لي التحقيق صحفيًا في هذا الموضوع (الأنباء - العدد 8153 - 26 يناير 1999) وكانت وجهتي بالطبع إلى الجامعة وهناك بين أسوارها وبعد جهد جهيد للغاية استمعت لحكايات مثيرة ومؤلمة سأسوق منها ما قل قليلًا ودل كثيرًا؟.. إحدى الطالبات مثلًا حدثتني عن تجربة زميلة لها هرب منها زوجها المزعوم بعد أن سلبها أغلى ما تملك؟ ولأن صوتها كان يتسم بالألم الممزوج بالندم فقد صوبت سهام نظري إليها فإذا بالدمع يكاد يترقرق في مقلتيها فاستشعرت أنها والله أعلم تتحدث عن نفسها،.. أخرى رفضت حياء التحدث مباشرة أمامي وقالت إنها تعرف حالة ستحدثني عنها هاتفيًا وطلبت رقم هاتفي، وعبر أسلاك الهاتف اعترفت بأن الزواج العرفي توج قصة حب (تايتنك) التي عاشتها مع زميل لها لكن عريس الغفلة أدار لها ظهره بعد أن تحركت النطفة في أحشائها فسافرت إلى بلد عربي مع أختها التي صارحتها بما حدث وهناك أجهضت نفسها من وراء ظهر الأسرة، ولقد سترت نفسها مؤقتًا كما تقول لكنها أردفت: فضيحتي مؤجلة،..
ثالثة أقسمت بأنها صُدمت عندما سمعت بأذنيها زميلًا وزميلة لها بعد انتهاء المحاضرة يرددان صيغة التمليك (زوجتك نفسي!) .. وأنا قبلت زواجك!!،..
رابعة أخذت تناقشني في شرعية هذا الزواج مُصرة على أنه حلال مليون في المائة ما دام هناك عرض وقبول سشتهده بأنه كان السائد في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -..
خامسة قالت: إن بعض الذين يقدمون عليه لا يبغون من ورائه سوى ورقة تؤمن عند اللزوم شرعية اللقاءات المحرمة إذا ما داهمت الشرطة عش غرامهم مؤكدة أنها عايشت أو استمعت لقصص عديدة في هذا السياق، والغريب أن بعض الطالبات أكدن لي أن الأساتذة دخلوا الحلبة ونافسوا طلبتهم وتزوجوا عرفيًا بطالباتهم،.. على الجانب الآخر كانت اعترافات الشباب مثيرة: الذين قال أحدهم إنه شهد سبع حالات زواج عرفي فيما أشار آخر إلى ما هو أخطر من الزواج العرفي"الصداقة بين الجنسين"والتي بدأت تأخذ أبعادًا خطيرة الله أعلم بنتائجها وانعكاساتها،.. ثالث قال بأنه عايش حالة زواج لم تكن الطالبة تعتزم الاستمرار مع زوجها وتساءل: فما بالك به هو؟
أكتفي بهذا وأقول بأن هذا النوع من الزواج اغتيال للشرف وللفضيلة وإهدار لكرامة المرأة وضياع لحقوقها وهو حتمًا كالوجبات الجاهزة والسريعة التي لا يمكن الاعتماد عليها دائمًا.
ولهذا فقد بات من الضروري مواجهة أمره وهو لا يزال في بدايته وقبل أن يصبح ظاهرة تمتد من الجامعات إلى المدارس الثانوية وتباع عقوده في المكتبات مع القرطاسية كما هو الحال في بعض البلاد فها هي المشكلة في مصر لم يتم محاصرتها منذ البداية فاستفحلت ورغم كل الجهود المخلصة التي تبذل لمواجهته ورغم مطالبة شيخ الأزهر والمفتي بسن قانون بتحريم هذا النوع من الزواج إلا أن الإحصائيات تشير إلى استمرار تفاقم الظاهرة.
إن العاقل من اتعظ بغيره ولهذا فإننا نناشد وزارات الأوقاف، التربية والتعليم العالي، الإعلام، الشؤون الاجتماعية، بضرورة تبني مواجهة هذا الأمر من خلال العمل بروح الفريق ويقيني أننا سننجح في تطويقه ومحاصرته خصوصًا وأن الناحية الاقتصادية ليست سببًا جوهريًا في إقدام البعض على هذا الزواج الذي قال ببطلانه معظم الفقهاء والعلماء.. فهل سيتم قبل هذا النداء؟.. ألا قد بلغت.. اللهم فاشهد.
ــــــــــــــــــــــــ
ظاهرة منحرفة انتشرت باسم الزواج العرفي
محمد أبو الهيثم
الحمد لله على نعمه وعلى مزيد فضله وإحسانه، والصلاة والسلام على من أكرمه الله بالرسالة وبها رفع من شأنه، وعلى آله وصحبه وكل من أحبه واتبع بيانه وساعد في الأرض على رفع سلطانه. ثم أما بعد:
فإن المتتبع لأحداث الأمة خاصة في المئة الأخيرة، وبخاصة المتتبع لخطوات التغير العقدي والنسيج الأخلاقي الحادث فيها يقف على كثير من الإلمام بما نحن فيه، وما نحن بصدده، وما يراد بنا فبدءًا بدخول المدرسة العقلية وانتشار فكرها على يد جمال الدين الأفغاني وتلميذه المخلص لمعلمه محمد عبده، ومرورًا بظهور الشيوعية الإلحادية الإباحية واتخاذها دينًا، واتخاذ الاشتراكية منهجًا، ثم ظهور العلمانية وانتشارها ونتاجها القبيح والذي من أمثلته أن خرجت علينا ظاهرة عبدة الشيطان وأفراخها التافهين عقليًا وعقديًا، ومما ابتليت به الأمة أخيرًا ظاهرة انتشرت بين حاملي راية العلم المادي والتقدم فيها وهو ما يعرف بالزواج العرفي الذي انتشر في بعض الجامعات العربية.
وقبل أن نتحدث عن هذه الظاهرة... فبداية ما هو الزواج العرفي في الأصل؟ وهل هذه الظاهرة الجديدة التي استحدثت بعد الزواج العرفي وانتشرت هي الزواج العرفي حقيقة أم أنها شيء آخر؟ ومن أين جاء هذا الشيء؟.
الزواج العرفي أصله: هو الزواج الغير موثق المكتمل الشروط، أي أنه زواج اكتملت فيه أركان الزواج الصحيح ولكنه لم يوثق من الحكومات القائمة قي هذا البلد الذي تم فيه العقد.
وهذه الصورة لا إشكالية فيها حيث أن الولي موجود وكذلك إعلان النكاح وإشهاره إلى غير ذلك فهو زواج طبيعي في بيئة حياتية غير مرتابة، والحقيقة أننا نعتبر التوثيق الآن من المصالح الهامة التي يرجى أن تتوفر مع العقد وذلك لضمان الحقوق المترتبة على العقد في حالة وفاة أو طلاق أو إثبات نسب أو غيره، وخاصة مع قلة الدين، وخراب الذمم... وهذا النوع هو الذي قد يعمى به على الناس فتجد بعض العلماء يفتون بجوازه مع أن المستفتي يقصد صورة أخرى تمامًا.
أما الظاهرة التي نتحدث عنها والتي تلت الزواج العرفي وأطلق عليها اسمه فهي ظاهرة حديثة ابتدعها جند الشيطان وأوليائه ليخربوا بها الأمة من قبل الشاب والفتاة المراهقين خاصة في ظل هذا الاختلاط المتفشي وهوجاء الشهوات المستعرة.
يلجأ الشاب إلى حيلة للإيقاع بهذه الفريسة بدعوى الزواج ثم يعقد عليها عقدًا دون ولي ولا إعلان شرعي، وإنما زواج سر محرم في غياب الضمير الإنساني، وتغلب الشهوة، وعدم وجود الوازع الديني الذي يحرك العواطف البشرية ويهذبها ليرتقي بها إلى أعلى درجات ممكنة من السمو..
فالشرع لا يحارب العواطف ولا الشهوات، ولكنه يروضها ويهذبها لتكون في خدمة الإنسانية جمعاء لتكوين البيت الهادئ المبني على أسس من الوعي الديني والهدوء العاطفي الذي يكفل إنجاح عملية بناء هذه اللبنة المباركة التي يتكون منها المجتمع وينتظر منها تكامل نجاحه وعزته.
الزواج العرفي من أين؟
البداية بعيدة... وهي هذا الانجراف الشديد في الخط العقائدي للأمة والذي صاحبه انحراف آخر في الخط التقدمي العلمي للأمة. هل هذا الانجراف وقع نتيجة للقعود عن الجهاد ونشر العقيدة في ربوع الأرض أم نتيجة الترف العقلي ومجابهة أصحاب الجدل بنفس الأسلوب أم أن وراء ذلك كيدًا من أعداء الإسلام في محاولة تشويه صفاء هذه العقيدة وخلطها بالشوائب الغريبة عنها؟
يقول محمد القحطاني في رسالته"الولاء والبراء في الإسلام": (والذي يظهر لي - والله أعلم - أن هذه الأسباب مجتمعة لها دورها كل بحسب أهميته، إلا أنه من خلال تتبع قصة الترجمة في عهدها الأول يظهر لي: أن كيد أعداء الدين وافق هوىً عند بعض المسلمين خاصة بعض الحكام في العهد العباسي - كالمأمون مثلًا - فحدث ما حدث من ترجمة لكتب المباحث السوفسطائية اليونانية وغيرها.
ويصدق ذلك: أن المأمون بعث إلى حاكم صقلية المسيحي يطلب منه أن يبادر بإرسال مكتبة صقلية الشهيرة الغنية بكتب الفلسفة!!
وتردد الحاكم في إرسالها وجمع رجال دولته واستشارهم حول هذا الطلب فأشار عليه المطران الأكبر بقوله: (أرسلها إليه، فوالله ما دخلت هذه العلوم في أمة إلا أفسدتها) فأذعن الحاكم لمشورته وعمل بها.
أحضر المأمون حنين ابن اسحق وهو طبيب ومؤرخ ومترجم وأمره بنقل ما يقدر عليه من كتب حكماء اليونان القديمة إلى العربية وأجزل له في العطاء وصدق والله المطران الصقلي: إن هذه الكتب ما دخلت أمة إلا أفسدتها. ترى من أين جاءت محنة الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - في مسألة خلق القرآن ومن أين جاء اضطهاد علماء السنة ومحاربتهم وظهور المبتدعة أيام المأمون وغيره؟) انتهى من الولاء والبراء في الإسلام بتصرف بسيط.
وما زالت الأمة تعاني من هذه التشوهات العقدية الواردة لها من أعدائها وامتدادًا لنفس هذا الخط السوفسطائي الذي سبق وبدأت به المحن والبلايا على تصورات الأمة وعلمائها امتدادًا لنفس هذا الخط ظهرت نظريات حديثة مثل الشيوعية والعلمانية التي انبثقت من النظرية البرجماتية القائم عليها الفكر الأمريكي اليوم ونحن جميعًا صلينا بنار الشيوعية وفتنة العلماء المخلصين والشهداء الصادقين الذين نحتسبهم عند الله والذين ضحوا بأعمارهم في سبيل إظهار فساد الشيوعية والاشتراكية كنظام حياة والرضا بالإسلام واتخاذه وحده دينًا.
فالمتأمل لما سبق يعرف أن هذه الظاهرة التي تفشت بين شباب المسلمين وبناتهم والتي زينت لهم الإباحية والمنكر على أنه حق باسم الزواج العرفي إنما هي مكيدة من مكائد أفراخ الشيوعية والعلمانية الحديثة ومن لم يصدق فليراجع أحداث جماعات عبدة الشيطان التي ظهرت ببعض الدول العربية وما هو فكرها والمراد منها.
بيان الفساد الشرعي لهذه الظاهرة:
أولًا: أورد الإمام الشوكاني في كتاب النكاح باب: (لا نكاح إلا بولي) ما يلي:
1-عن أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا نكاح إلا بولي» . [أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم وصححاه] .
2-عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل» . [رواه الخمسة إلا النسائي وأخرجه الحاكم وأبو عوانة وابن حبان وحسنه الترمذي] .
3-وعن أبى هريرة قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - « لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها » . [رواه ابن ماجه والدار قطني وأخرجه أيضا البيهقي وقال الحافظ رجاله ثقات] .
قال الشوكاني في شرح هذه الأحاديث: فيكون النكاح بغير ولي باطلًا كما هو مصرح بذلك في حديث عائشة المذكور وكما يدل عليه حديث أبي هريرة المذكور لأن النهي يدل على الفساد المرادف للبطلان. وقد ذهب إلى هذا علي وعمر وابن عباس وابن عمر وابن مسعود وأبو هريرة وعائشة والحسن البصري وابن المسيب وابن شبرمة وابن أبي ليلى والعترة وأحمد وإسحق والشافعي وجمهور أهل العلم فقالوا: لا يصح العقد بدون ولي قال ابن المنذر إنه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك.
ثانيًا: في باب الدف واللهو في النكاح:
عن محمد بن حاطب قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح» . [رواه الخمسة إلا أبا داود وحسنه الترمذي وأخرجه الحاكم. من كتاب نيل الأوطار باختصار] .
ومما سبق يتضح لنا فساد هذه الظاهرة وبطلان هذا العقد بطلانًا بينًا لا يخالجه شك.
من المسئول؟
إذا تساءلنا من المسئول عن هذه الظاهرة الخبيثة أهي أختنا المسلمة التي أغواها الشيطان وأغوى بها أم أنه أخانا المسلم الذي وقع فريسة هواه وحبائل الشيطان فنغص على روحه صفائها، وعلى دينه طهارته، وعلى دنياه نقاءها وبهجتها الحقيقية من أجل متعة لحظية يتحمل بعدها مسئولية شخص آخر وقع معه في نفس البئر العميق، أو ربما يتطور الأمر فيتحمل مع النفسين نفسًا ثالثة بريئة ليس لها ذنب أن تنشأ في ظل عار يفقد معه أبويه بهجة اللقاء به وتربيته بل يتحمل ذلًا ليس له فيه أي ذنب؟
الحقيقة... سألخص الأمر في بعض رسائل ونصائح أبعثها لمن أعتقد أنه مسئول عن هذه الظاهرة والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل:
إلى أخي الشاب المسلم:
والله يا أخي إني أحبك في الله ولا يكتمل لي دين إلا بمحبتك هذه، لذا فهذه نصيحة لك من أخيك أرجو أن تلقى من نفسك موضعًا...
يا أخي الفاضل بالله عليك مع كل ما يحدث الآن لأمتنا الغالية من هوان وذل لم تعهده من قبل و من محاولات مستميتة لاستئصال شأفة الأمة وأنت على هذا الحال؟ أفق يا أخي وارجع إلى ربك فهو أفرح بعودتك إليه مما تتخيل، ويكفيك هذا الحديث العظيم الذي يدل على عظمة الخالق سبحانه فقد أورد البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يقول الله - تعالى:من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد له منه» .
تقرب إلى الله وعد إليه فإنه يحب توبتك أتعلم أن الله الكبير المتعال الملك الجبار يفرح بتوبتك، نعم يفرح فهو يفرح بتوبة عبده وعودته إليه أكثر من رجل شردت دابته وعليها زاده وهو في مفازة (صحراء) قاتلة حتى أيقن الرجل الموت فوجد شجرة فنام تحتها ينتظر الموت، وبينما هو كذلك إذا براحلته فوق رأسه.... تخيل مدى فرحه بعودة الحياة إليه واعلم أن الله أشد منه فرحًا بعودة عبده العاصي إليه.
يا أخي... الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة في انتظار من أطاع الله فهلا كنت من الطائعين؟