فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 14798 من 35630

يوسف ميخائيل أسعد

من الخطأ أن تقول إن المرء حر فيما ينتحي إليه في اختيار شريك الحياة تمام الحرية بحيث يكون صادرًا في ذلك عن دخيلته وعن إرادته الشخصية بغير أن يكون متأثرًا في ذلك بالضغوط الاجتماعية المتباينة التي تجعل اختياره متمشيًا، أو قل مصبوبًا، على قد القوالب الاجتماعية التي تفرض نفسها عليه وتلزمه باحترامها والتواؤم مع متطلباتها وهيآتها. ولعلنا نحدد تلك الضغوط أو القوالب الاجتماعية فيما يلي:

أولًا ـ الضغوط الدينية: فأنت لا تستطيع أن تختار خطيبتك إلا من الفئة الدينية التي تنتسب إليها. وحتى إذا كان دينك يسمح لك بأن تختار شريكة حياتك من فئة دينية غير الفئة الدينية التي تنتسب إليها، فإن مثل ذلك الاختيار يكون مستهجنًا في الغالب ويقابل بالمقاومة من جانب ذويك وأصدقائك وجميع مَن تربطك بهم علاقات اجتماعية.

ثانيًا ـ الضغوط العرقية: وهذه الضغوط تتعلق بالجنسية أو بالأصل العرقي. فمن الصعب أن يختار المرء شريك الحياة من أبناء جنس آخر مختلف عن جنسه. ويدعم تلك الصعوبة اختلاف اللغات والعادات والتقاليد الاجتماعية من شعب لآخر الأمر الذي يجعل الاتصالات وإقامة العلاقات والوشائج الوجدانية من الصعوبة بمكان.

ثالثًا ـ الضغوط القبيلية والأسرية: فمن العوائق التي تقف حائلًا يصعب تخطيه في عملية اختيار شريك الحياة ما تقوم به القبيلة أو العشيرة أو الأسرة من ضغوط على أبنائها في عملية الاختيار. ففي كثير من المجتمعات البشرية تكون لاختيارات مقيدة بما تأخذ به تلك المجتمعات من أعراف متينة لا يمكن فك أواصرها أو التحلل منها بسهولة.

رابعًا ـ الضغوط القانونية: فلقد يمثل القانون وما يتضمنه من تشريعات حائلًا يقوم دون الاختيار الفردي الحر. من ذلك مثلًا أن تكون الشابة التي يرغب أحد الشبان في التقدم إليها مخطوبة، ومن ثم يكون من المرفوض قانونًا عقد الخطبة الجديدة حتى برغم موافقة الطرفين على عقدها. فلابد أن تفصم الخطوبة السابقة فصمًا قانونيًا قبل الإقدام على عقد أواصر خطوبة جديدة.

خامسًا ـ سمعة الشخص بين معارفة: فالواقع أن شخصية المرء تتحدد في ضوء ما يصدر عنه من تصرفات وأقوال، وكذا في ضوء ما يتسم به من اتجاهات وما يعرف عنه من أخلاق وسلوك. وكثيرًا ما تكون الصورة التي تتحدد للشخص في أذهان معارفه وأهل بيئته الاجتماعية وأقربائه غير مواتية بحيث يصير شخصية مرذولة ومرفوضة. فعندما يرغب ذلك الشخص في عقد أواصر الخطوبة على إحدى الشابات من معارفة، فإن سمعته السيئة تسبقه إلى ذويها الأمر الذي يحول دون إتمام الخطوبة.

ومن الطبيعي أن يكون لهذه الضغوط الاجتماعية الخمسة فيما يتعلق باختيار شريك الحياة بعض الفوائد وبعض الأضرار. ولنبدأ باستعراض المزايا والفوائد التي تترتب على وجود واعتمال تلك الضغوط الاجتماعية. أولًا ـ إن الضغوط الاجتماعية فيما يتعلق باختيار شريك الحياة تعمل على الحفاظ على كثير من القيم التي نعتز بها ونتمسك. فالمسألة ليست مجرد ميل شخصي يعتمل في القلب، بل إنها أكثر من ذلك. فثمة قيم مقدسة يجب أن يحني لها نداء القلب رأسه. فلا يكفي أن يحس نحوها أو نحوه بالحب، بل يجب أن تعطى الأولوية للقيم الدينية ولغيرها من قيم ذات قيمة ذاتية لا يمكن الإغضاء عنها أو صرف النظر عنها أو الضرب بها عرض الحائط.

ثانيًا ـ إن الضغوط الاجتماعية في مسألة عقد أواصر الخطوبة تضمن التماسك العرقي وعدم تحلل الأنساب. صحيح أن الحضارة قد قضت على كثير من التقاليد الاجتماعية المتعلقة بتماسك القبائل والعشائر والأسر ذات التقاليد والقيم والأعراف العريقة، ولكن هذا لا يحول دون القول بأهمية تماسك ونقاء الأنساب.

ثالثًا ـ إن الضغوط تعمل في النهاية على توفير السعادة للخطيبين ثم للزوجين. فهي في مجموعها ضغوط وجيهة ولها قيمة ذات بال. فما تستنه تلك القيود من حدود وما تفرضه من قيود يكون في نهاية المطاف بمثابة الدرع الواقي والسند الأكيد لتحقيق مستقبل آمن للخطيبين ولما يتوقان إليه من زواج سعيد.

رابعًا ـ إن الضغوط الاجتماعية فيما يتعلق باختيار الخطيبة أو الخطيب تعد مقومًا أساسيًا من المقومات الاجتماعية التي تنبني عليها الخطوبة والزواج جميعًا. ذلك أن الخطوبة والزواج ليسا مجرد تصرفين فرديين، بل هما في الواقع وبالدرجة الأولى تصرفان اجتماعيان، بل إن الأسرة التي تقوم على أساسهما لا تعدو أن تكون مؤسسة اجتماعية بمعنى الكلمة.

خامسًا ـ يمكن اعتبار الضغوط الاجتماعية هاديًا ومرشدًا للشاب والشابة في مسألة الاختيار. ويخطئ مَن يعتقد أن تلك الضغوط الاجتماعية وسائل للقسر أو الاستعباد. فهي وإن كانت عوامل ضغط وإجبار على نحو ما، فمن الممكن اعتبارها من جانب آخر عوامل إرشاد وتوجيه وتبصير بخير الشاب والشابة المقبلين على اختيار شريك الحياة المقبلة.

أما بالنسبة للأضرار التي يمكن أن تحملها تلك الضغوط الاجتماعية في ثناياها، فإننا نستطيع تلخيصها فيما يلي:

أولًا ـ لا شك أن الضغوط الاجتماعية بمثابة كبت ومصادرة للحرية الفردية في اختيار الخطيبة أو الخطيب. ولعلنا نقول إن ثمة صراعًا قائمًا بين الإرادة الفردية وبين الإرادة الخارجية القاهرة التي تتمثل في الوالدين أو مجموع الأفراد المحيطين بالمرء. وانتصار هذه الإرادة الجمعية بمثابة حرمان من التعبير عن الإرادة الفردية.

ثانيًا ـ تتمثل الضغوط الاجتماعية في محاولة المطابقة بين الرغبة الجمعية وبين الرغبة الفردية في الاختيار. ولكأن لسان حال المجتمع يقول (( بما أني قمت بالاختيار، فعليك أيها الفرد بأن ترغب فيما أرغب أنا فيه ) )ولكن هيهات أن تخضع الرغبة الفردية للرغبة الجماعية. فما يقوم المجتمع باختياره للفرد يغلب أن ينبو عن الاختيار الذي ينحو إليه الفرد، بل إن المفارقة تكون شديدة بين المزاج الجمعي وبين المزاج الفردي.

ثالثًا ـ كثيرًا ما يأتي الاختيار الجمعي تاليًا للاختيار الفردي فيحاول محقه وإلغاءه. فالشاب يقع اختياره على شابة، وأيضًا العكس ولكن ما أن يفاتح ذويه فيما تم له اختياره حتى يقاوموه ويعرضوا عليه اختيارهم ويرغموه على قبوله. ومن ثم ينشأ صراع بين الاختيارين ويكون عليه أن يرضي نفسه فيغضب المجتمع، أو أن يرضي المجتمع فيكون بذلك قد خان الشخصية التي هفا إليها بقلبه وبلور حولها وجدانه.

رابعًا ـ غالبًا ما تكون الاختيارات الجمعية لأسباب بعيدة كل البعد عن الجوانب الذاتية، وإن هي تعلقت بالجوانب الذاتية فإنها تكون بمثابة تعبير عن أذواق آخرين لا ترتبط من قرب أو بعد بالمزاج الشخصي للطرفين الرئيسيين، أعني الخطيب والخطيبة.

خامسًا ـ لا تسير الضغوط الاجتماعية وفق القانون الطبيعي لنمو العواطف الإيجابية التي تعتبر الوشيجة الرئيسية للعلاقة بين الشاب والشابة اللذين يصيران خطيبين ثم زوجين فالعلاقة بين الخطيبين ـ بفرض أن تكون علاقة سوية وقائمة على أسس طبيعية ـ يجب أن تكون نقطة الانطلاق فيها صادرة عنهما وعن قلبيهما ولا تكون مفروضة عليهما من الخارج.

سادسًا ـ أخيرًا فإن الضغوط الاجتماعية كثيرًا ما تخنق الوشائج الوجدانية الطبيعية التي تبدأ في الترعرع بين قلوب الشباب من الجنسين، ومن ثم فإنها تقطع الوصال الذي كان ليضمن حياة زوجية في المستقبل تسبقها خطوبة ناجحة. بيد أن الضغوط الاجتماعية تخنقها قبل ترعرعها ونضجها.

ــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت