فهرس الكتاب
هناك جملة من المتع واللذائذ والشهوات الحسِّيّة التي تدخل البهجة إلى النفس، كالطعام والشراب والجنس، والحصول على المال، واكتساب القوّة والقدرة لتلبية هذه الحاجات والتمايز على الآخرين .
كما أنّ هناك متعًا ولذّات روحيّة ; كالفوز والنجاح والانجاز والابداع، وإسعاد الآخرين، ورضا الوالدين، ورضا الله، والاستقامة، والقيام بأعمال البرّ والإحسان والخير والصلاح .
وقد عملت الثقافة الغربية على تكريس مبدأ اللذّة ، فلقد اعتبر (فرويد) الإرضاء الحرّ للرغبات الجنسية شرطًا أساسيًا لسلامة النفس ، وأنّ الذين يصابون بأمراض نفسية إنّما يعانون من كبت غريزة اللذّة .
وقد اتّضح أنّ إشباع الرغبات والمتع الغريزية قد يؤدِّي إلى اللذّة الجسدية ، لكنّه يتسبّب في آلام أيضًا ، فالبغاء أو الزنا يخلق مشاكل جسدية ونفسية كثيرة ، وقد تبعث الخمرة على النشوة لكنّ مخاطرها كبيرة ، وهكذا الحال بالنسبة للمخدّرات والسرقة والجريمة . ولذلك جاء في الحديث: «مَن تسرّع إلى الشهوات ، تسرع إليه الآفات» .
يقول عالم النفس (الكسيس كارل) : «هناك اليوم أشخاص كثيرون يعيشون مما يقرب من الحياة الحيوانية ، يبحثون عن القيم المادية ، ولهذا السبب فإنّ حياة هؤلاء أرذل كثيرًا من حياة الحيوانات ، لأنّ القيم المعنوية هي الوحيدة التي تمنحنا الضياء والسعادة» .
فالضياء، وهو نور القيم والأخلاق والدين، لاينبعث من اللذائذ المحرّمة. والسعادة، وهي الشعور بالراحة النفسية والطمأنينة القلبية، لاتتأتّى من خلال المعاصي والذنوب، فكم من الذين يمارسون هذه المتع والشهوات ، يحدّثونك عن القلق ، وتأنيب الضمير ، والرغبة في التخلّص من الحياة ، والشعور بالتعاسة الكاملة ، فأين هي ثمار لذّاتهم ؟!
فاللذّة الحقيقيّة هي التي يجتنيها الانسان من الأشياء التي أحلّها الله له ، فأكل العنب مثلًا لذيذ ، لكنّ صناعة مادّة مسكّرة من العنب، قد تجلب لذّة السكر، لكنّها تجلب معه مضار كثيرة، سنتعرّف عليها لاحقًا، أي يصحّ أن نقول عنها أ نّها (لذّة آثمة) أو (لذّة محرّمة) أو (لذّة مؤلمة) وحتّى لو لم نشعر بألمها المادِّي ، فإنّ ألمها الروحيّ والنفسي كبير.. يكفي أن تشعر أ نّك تعصي الله فيما أمرك حتّى تشعر بالألم العميق .
إنّ مثال الدين والقيم والأخلاق والأعراف مثل لجام الحيوان ، فبدونه لا يمكن السيطرة عليه ، وبدون الالتزام الديني والخلقي لا يمكن السيطرة على الانسان . فقد ورد في الحديث: «ولع النفس بالشهوات يغوي ويردي» ، وجاء أيضًا: «إذا غلبت عليكم أهواؤكم أوردتكم موارد الهلكة» .
فلا بدّ للشاب أو الفتاة من أن يضبطا لذاتهما ، ولا يُطلقا لها العنان ، أي أن ينفّسا عنها عبر القنوات الطبيعية التي أحلّها الله تعالى ، فما من حاجة أساسية وغريزية إلاّ وقد رسم الله طريق تلبيتها من حلال .
تلفّت يمنة ويسرة لترى أنّ الذين يبحثون عن المتع المنحرفة واللّذّة المحرّمة يعانون من آلام كثيرة ، فهم ـ على سبيل المثال ـ ينشدون الهدوء والراحة والسعادة ، لكنّهم يعيشون في الواقع الأرق والقلق والهموم والأمراض النفسية التي تعجز عيادات الطبّ النفسي أحيانًا عن إيجاد علاج شاف لها ، بل تراهم السبب في الكثير من الآلام التي يسببونها لغيرهم . يقول الحديث الشريف: «يستدلّ على شرّ الرجل بكثرة شرهه وشدّة طمعه» .
*المصدر: البلاغ
ــــــــــــــــــــ