فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 14115 من 35630

المهنة: حبيب.. عفوًا.. طبيب نفسي!

هشام عبد العزيز**

تتعدد العلاقات داخل المجتمع البشري وتتقاطع مستوياتها، لكن دائمًا تبقى كل علاقة من تلك العلاقات محكومة بحدود فاصلة، وأحيانا تبلغ تلك الحدود من الرقة بحيث قد لا يدركها أحد الأطراف فتتداخل معه في علاقة أخرى.

وفي مجال الطب النفسي هناك مساحة إنسانية مشتركة تجمع الطبيب المعالج بالمريض، ربما يتمكن الطبيب بفضل مهنته وخبرته من إدراك حدودها والتحكم في كيفية بدايتها وتوقيت نهايتها، إلا أن المشكلة تكمن عند المريض، خاصة أنه في الغالب تكون حدود علاقته بطبيبه المعالج غير منظورة وغير واضحة بالنسبة له، بحيث قد يتوهمها علاقة عاطفية متبادلة؛ فتنتهي إما بصدمة تزيد متاعب المريض أو علاقة حب من طرف واحد تدفع المريض إلى ملاحقة طبيبه وأحيانًا الادعاء عليه، ويمكن أن تؤدي علاقة الحب الوهمية تلك إلى متاعب للطبيب المعالج، مع تقاطع المساحة الطبية مع المساحة الإنسانية العاطفية في العلاقة.

ولكن يبقى التساؤل حول مدى مسئولية الطبيب في تصدير تلك المشاعر الزائفة لمريضه، وهل من مقتضيات العلاج النفسي خلق ذلك الرابط النفسي، والمساحة الودية بين الطرفين؟.

عقد وميثاق

وفي ذلك يقول الدكتور عمرو أبو خليل، أخصائي الطب النفسي بمستشفى المعمورة للطب النفسي بالإسكندرية، مستشار صفحة مشاكل وحلول بشبكة"إسلام أون لاين.نت": تعتبر المجتمعات الشرقية بيئة خصبة لمثل تلك العلاقات المتداخلة بين المريض والطبيب، أما المجتمعات الغربية فغالبًا ما يكون هناك تحديد أكبر لأبعاد تلك العلاقة.

ويضيف: إن المسألة تنظمها قواعد علمية وأصول يتم تلقينها للطبيب وقت أن يكون ممارسًا عاما.

ومن هذه القواعد ضرورة أن يرسم الطبيب حدودًا واضحة لعلاقته بالمريض خلال جلسة العلاج الأولى التي تكون -إلى جانب كونها جلسة تعارف- ميثاقًا وعقدًا يتفق فيه الطبيب مع المريض على تنفيذ تعليماته الطبية بدقة، كشرط لحصوله على المساعدة المطلوبة على طريق الشفاء.

ومن تلك القواعد أيضًا، أن يدرك الطبيب الفرق بين التعاطف الواجب أن يبديه تجاه مريض كنوع من توصيل الشعور بالاهتمام له والتعايش مع حالته، ومع العاطفة التي يجب ألا تنشأ بين الطرفين على غير أساس علاجي، خاصة إن كان المريض من الجنس الآخر، كما أن هناك ما يعرف بالتحول، ويسمى أحيانا الطرح في الطب النفسي، وهو أن يتمثل المريض بطبيبه، بمعنى أن يتخذه كقدوة له ونموذج. أما في حالة حدوث التحول العكسي التي تكون فيها علاقة المريض بطبيبه متشابهة لتلك العلاقة أو الأسباب التي أوصلت المريض لمرحلة العلاج النفسي، فهنا يحدث نوع من التفاقم في الحالة المرضية للمريض.

ويؤكد الدكتور عمرو أبو خليل على أن المسئولية الكبرى في تفادي التحول العكسي، تقع على عاتق الطبيب وليس المريض، أما إن حدثت ووجد المريض في نفسه نوعًا من الميل تجاه طبيبه؛ فعلى الطبيب أن يعيد التأكيد مجددًا على حدود العلاقة، فإذا رفض المريض ذلك فعلى الطبيب المعالج قطع العلاقة العلاجية على الفور، وتحويل المريض لمعالج آخر.

ضبط العلاقة

ويمكن للطبيب أن يتفادى الأمر في بدايته من خلال تجنب الاتصالات الهاتفية أو غير الهاتفية مع المريض، والتي لا يكون لها سبب واضح، كذلك تقييد العلاقة في حدود العلاج والعيادة بعيدًا عن التواصل الاجتماعي.

أما بالنسبة للأطباء الذين يعتبرون أن تدعيم العلاقة الشخصية بالمريض أو حتى إيصالها للسياق العاطفي جزء من مقتضيات العلاج، فإنهم غالبًا ما يكتشفون خطأ رؤيتهم بعدما يتبين لهم أنهم قد خرجوا من مشكلة مرضية إلى مشكلة أخرى أكبر تضر بالمريض والطبيب على حد سواء.

وحول مسئولية الأكاديميات الطبية والأطباء ذوي الخبرة في التوعية بحدود العلاقة وضبطها بين الطبيب والمريض، يقول الدكتور أبو خليل: إنه يجب أن يلتقي الأطباء النفسيون بشكل دوري لنقل الخبرات وتداول المشاكل التي تواجههم، مع بيان كيفية التعامل معها. كما أوضح أنه تعرض شخصيًا لحالات مماثلة، إلا أن أسلوب قطع العلاج كان طريقه الدائم للمواجهة.

حالات مرضية

ومن ناحيته يبين الدكتور أحمد عبد الله، الطبيب النفسي مستشار صفحة مشاكل وحلول، أن ظاهرة الطرح أو التحول وما يصاحبها من تعلق المريض بالطبيب، أو المريضة بالطبيب تزداد في حالات مرضية بعينها، مثل مرضى اضطرابات الشخصية، وبخاصة اضطراب الشخصية البينية، واضطراب الشخصية الهستيرية.

وقد تزداد الحالة سوءًا إذا كانت المريضة أو المريض يعاني من الوحدة أو الفراغ العاطفي مثلما هو الحال في حالات المطلقات والأرامل، والمتأخرات في الزواج.

وقد تختلط بأعراض الطرح أعراض مرضية أخرى أو تتشابه معها، مثل اضطراب الكَلف بالمشاهير، أو عشق النجوم، وذلك في حالة أن يكون الطبيب شخصًا معروفًا في المجتمع العام، أو أن تكون الطبيبة شخصية عامة.

وغالبًا ما تنعكس هذه الاضطرابات في شكل سلوكيات اندفاعية، تكون غير منضبطة في معظمها، كأن تهجم المريضة على الطبيب لتقبيله، أو أن تحاول لفت انتباهه بتعرية جسدها أو جزء منه، وتصل بعض الحالات إلى الملاحقة في الأماكن العامة أو التي يتردد عليها الطبيب.

وقد يتضمن الأمر صورًا متعددة ودرجات متباينة من التحرش بالطبيب المعالج، وأحيانًا الاعتداء المادي عليه.

وربما يفسر هذا ميل أكثر الأطباء إلى عدم الإقبال على علاج مثل هذه الحالات من الأساس، ليس فقط من أجل ما يمكن أن تسببه من مشكلات، ولكن أيضا لأن النتائج العلاجية الإيجابية لها تكون محدودة، على الرغم من الجهد الهائل الذي يبذله الطبيب المعالج مع الحالة.

ويؤكد الدكتور أحمد عبد الله أن هذا الأمر الذي نحن بصدده يتكرر في تعامل الأطباء بكافة تخصصاتهم، وليس فقط في تخصص الطب النفسي.

أما بالنسبة لمسئولية الطبيب، فإضافة إلى ما ذكره الدكتور عمرو أبو خليل، فإن هناك الرفض الذي يبديه المريض أو المريضة لفكرة التحويل للعلاج عند طبيب آخر، وفي كل الأحوال لا مفر من أن يقطع الطبيب علاقته العلاجية مع المريضة، من باب أن هذا هو أخف الأضرار في هذه الحالة، وأي استمرار للعلاقة العلاجية بعد ذلك يتحمل الطبيب وحده مسئولية ما سيترتب على ذلك الاستمرار

ــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت