فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 14112 من 35630

طارق ديلواني**

على طول الشارع المحيط بالجامعة الأردنية بعمان أقدم الجامعات في المملكة، تمتد عشرات البنايات الخاصة بسكن الطالبات وتحاصرها من كل جانب عشرات المحلات التجارية والخدمية والمقاهي التي لا تنام مطلقا بفعل حشود من الشباب الذكور تغص بهم يوميا.

بهذا المشهد تتلخص ظاهرة سكن الطالبات كأحد إفرازات موجة التغريب التي طالت المجتمع الأردني منذ سنوات، حيث تغيب في هذه المساكن وما حولها أغلب المحرمات والتقاليد والأعراف والعادات المجتمعية ليحل محلها هاجس واحد ووحيد ألا وهو الاختلاط بين الجنسين والعلاقات الغرامية.

ويشكل سكن الطالبات واحدًا من مظاهر متعددة للدلالة على اتساع نطاق الانفتاح في العلاقة ما بين الشباب والفتيات في الأردن، حيث لا تفلح الأنظمة الصارمة في الحد من موجة التحرر التي تعصف بجيل الطلبة الجامعيين.

وتعتبر الكثير من الطالبات القاطنات في هذه البنايات أنهن يقطن في سجن معزول، وعلى حد تعبير آلاء حسين الطالبة في عامها الجامعي الأخير فإن الخروج من السكن إلى الجامعة فرصة مواتية للتحرر قليلا من الإجراءات والتعليمات الصارمة حيث لا هواتف خاصة ولا تأخير وأحيانا لا وسائل ترفيه!!.

سجن أم سكن!

على شاكلة مراكز الإصلاح والتأهيل تتبع إدارة بعض المساكن الجامعية للطالبات إجراءات صارمة؛ لدرجة أن إحدى الطالبات وهي من جنسية عربية تعتبر سنوات الدراسة الجامعية أسوأ سنوات عمرها.

وتقول مريم: إنه كان يفترض أن تعيش حياتها الجامعية بانطلاق وحماس وشغف، لكنها -وبحسب تعبيرها- تشعر أنها سجينة. وتصف زميلتها النظرة الاجتماعية لطالبات السكن الجامعي بأنها تفتقر إلى الثقة.

وتتابع قائلة إن السكن الجامعي إما أن يكون سمته التشدد والصرامة أو الانفتاح الزائد بحيث تنفلت الأمور، مضيفة أن بعض الفتيات يسهرن ليلا بكل حرية وحتى ساعات متأخرة دون حسيب أو رقيب، وأخريات يحظر عليهن التأخر عن السكن بعد الثامنة ليلا، وهو أمر مزعج برأيها؛ لأن ثمة احتياجات كثيرة تحتاج إليها أي طالبة في الليل مثل الإنترنت أو الاستجمام وتغيير الروتين اليومي أو حتى زيارة الأقارب.

كل شيء ممنوع!

للسكن التابع للجامعة الأردنية نظام صارم حيث تغلق أبوابه شتاء في تمام الساعة السابعة والنصف مساء، وصيفا في الثامنة والنصف، وبعد إغلاق الأبواب تقوم المشرفة بتفقد الطالبات في غرفهن ومن تحضر منهن متأخرة ولو لدقائق قليلة تعاقب؛ فعليها الانتظار في المدخل إلى أن تنتهي المشرفة من التفقد، أي حوالي ساعة كاملة، تخضع بعدها لاستجواب يصل في أحيان كثيرة إلى الإساءة للطالبة وإحراجها أمام زميلاتها، وبالطبع لا يسمح للطالبة بالمبيت خارج السكن إلا بإذن مسبق من ولي الأمر.

أما من تتأخر أكثر من مدة التفقد، ودون إذن مسبق بناء على طلب ولي أمر الفتاة، فتتصل المشرفة بالأهل لإبلاغهم بغياب ابنتهم.

تقول طالبة مقيمة في السكن الجامعي:"في بداية الفصل الدراسي يجمعون منا جداول المحاضرات لمعرفة المواعيد اليومية للمحاضرات. وإذا لم تعودي وقت انتهاء المحاضرات فإن الاتهامات تلاحقك".

وتتابع: حتى من تلتزم بالموعد المحدد وتتكرر عودتها عندما يوشك وقت إغلاق الباب، تتعرض لأسئلة وتعليقات المشرفة المسيئة والمشككة في صحة سلوكيات الفتاة، مثل"الله أعلم وين ومع من كنت"،"كنت في المقاهي"، وتصل أحيانا إلى الشتم والصراخ أمام زميلاتها:"أنت سايبة، أنت ماشية على حل شعرك".

ولا يسمح للطالبات استقبال الضيوف في غرفهن. وباستثناء الأب والأخ، لا يسمح باستقبال الذكور في قاعة الانتظار، أو حتى دخول بوابة السكن، رغم وجود لافتة في قاعة الانتظار تقول"الزيارة مسموحة للأهل والأقارب.. أوقات الزيارة من 1:00م وحتى6:00م".

والأنظمة مفروضة كذلك على استقبال المكالمات الهاتفية. فللمشرفة الحق في معرفة هوية المتصل ورفض تحويل المكالمة إذا كانت من ذكر من غير الأقارب. وعلمنا أن معظم طالبات السكن يدركن أن الهواتف مراقبة.

وللمشرفات على السكن الجامعي صلاحية التدخل في لباس ومكياج الطالبات، داخل وخارج السكن. كما يحق للمشرفة تفتيش الغرف في غياب قاطناتها بحجة الاشتباه باقتناء طالبة لأحد الممنوعات، مثل الدخان أو الأرغيلة.

الثقة مفقودة.. والاتهامات جاهزة!

الثقة كلمة مفقودة تماما في العلاقة بين الطالبات والمشرفات على السكن الجامعي، وغالبا ما تتسم هذه العلاقة بالعدائية الشديدة؛ وهو ما يضطر العديد من الطالبات إلى الانتقال لسكن خاص أقل تشددا وصرامة.

ولعل مشاهد تجمعات الطلاب والطالبات في شارع الجامعة مساء وهم في صورة حلقات حول بعضهم البعض تدفع الكثيرين إلى إطلاق الاتهامات والتشكيك بسلوكيات طالبات السكن اللواتي يدافع أغلبهن عن تصرفهاتن، كما تحدثت سوزان الطالبة في السنة الثانية والتي يقطن أهلها في الإمارات العربية المتحدة، حيث تعتقد أن حرية الفتاة تفهم بشكل خاطئ في كثير من الأحيان. وتضيف أن من حق الفتاة تكوين الصداقات وحرية المغادرة من السكن طالما أنها مسئولة عن تصرفاتها، وطالما أن هنالك عقوبات وضوابط.

لكن زميلتها"ربى"التي تسكن في شقة خاصة هي وزميلة أخرى تعتقد أن المتهم الأول في هذه الظاهرة هم الأهل أنفسهم الذين يدفعهم فقدان الثقة ببناتهم إلى زجهم في السكن الجامعي؛ وهو ما يضاعف أزمة الثقة بين الأهل والفتيات.

حرية أكثر.. انضباط أكثر!

يوضح د. بلال الجيوسي، أستاذ علم النفس وعميد شئون الطلبة في جامعة البتراء، إن كل محاولة للضغط على حرية الفرد دون أي مشروعية تسبب أذى نفسي في جوانب كثيرة."منها أولا، إحساسه العميق بالحرية، وهو جزء من إحساسه بإنسانيته. وثانيا، التأثير على تقديره لذاته. وثالثا، دفعه إلى القيام بأعمال سرية وتعلم دروب من الكذب والتهرب لا داعي لها، بما يترك أثرا سيئا على علاقاته".

ويضيف:"عندما تكون الطالبة في غربة ويزيد من غربتها الضغوط الأكاديمية، تجدها تعيسة بدل أن تكون سعيدة بأحلى مرحلة في حياتها، وهذا يمكن أن يترك إحساسا قويا بالتمرد، والتمرد له جانب إيجابي، عندما يكون التمرد عقلانيا فيؤكد الإنسان ذاته، ولكن له جانب سلبي عندما يتمرد على السلطة أيا كانت".

"كما أن الضغط أكثر مما ينبغي على الطالبة يجعلها أكثر عصبية ويؤثر على دراستها وعلى علاقتها مع صديقاتها. المعادلة الأبدية من الحرية والنظام يجب أن تطرح في كل المساكن الجامعية وتصبح موضوع نقاش: متى تنتهي الحرية ليبدأ النظام، ومتى ينتهي النظام لتبدأ الحرية".

وترى بعض الفتيات أنه أحرى بالأهل ألا يسمحوا لبناتهم بالالتحاق بالجامعة ما دامت الثقة غير موجودة بهن، وتقول إحداهن:"إن الأهالي يعلمون طبيعة المجتمع الجامعي، وبالتالي لا يمكن أن يعزلننا عن هذا المجتمع؛ لأن المقابل لهذه العزلة هو الجلوس في البيت".

وتحاول بعض الفتيات إلقاء اللوم على المجتمع الذكوري الذي يحلل للذكور ما يحرمه على الإناث؛ فتقول بثينة الطالبة بالجامعة الأردنية: إن الأهالي لا يبالون إطلاقا بما يفعله أبناؤهم الذكور من تصرفات قد تكون فاضحة في كثير من الأحيان في سكن الطلاب، بل إنهم يتسترون عليهم في كثير من الأحيان.

وتؤكد بثينة التي تقطن في السكن الجامعي للعام الثالث على التوالي أن التعميم في الحكم على سلوك وأخلاق فتيات السكن الجامعي ظالم وغير منصف؛ فأغلب الفتيات القاطنات هنا جئن ليتعلمن ويجتهدن ويحققن مراتب عليا لا ليبحثن عن اللهو وتضييع الوقت.

زواج المساكنة!

رغم كل هذه النظرة السلبية لسكن الطالبات المغتربات فإن الأمر أكثر انفتاحا وحرية مما يبدو عليه؛ فمنذ سنوات انتشرت ظاهرة السكن المختلط بين الشباب والفتيات ونتج عن ذلك شكل جديد من أشكال الزواج بين الطلاب والطالبات تخطى الزواج العرفي وزواج فريند والمسيار وغيرها إلى شكل جديد عرف"بالمساكنة"نسبة إلى فكرة السكن المختلط بين الجنسين.

** صحفي أردني، يمكنكم التواصل معه عبر البريد الخاص بالصفحةholol@iolteam.com.

ــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت