فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 14636 من 35630

المجالس الجادة في الاسلام لا تلغي ولا تصادر مجالس اللهو والترفيه والترويح عن النفس بعد عناء العمل، وجهد الدراسة، ومشاق الحياة ..

إنّها ساعات من عدّة ساعات قسّمت بين العبادة وطلب الرزق واللقاء بالإخوان الثقاة، وهي الساعة المخصّصة للملذّات غير المحرّمة، التي باغتنامها يتمكن أحدنا من مواجهة متطلبات الساعات الأخرى.

يقول علي (عليه السلام) : «إنّ القلوب تملّ كما تملّ الأبدان، فتخيّروا لها طرائف الحكمة» .. وقال (عليه السلام) : «روّحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فإنّ القلب إذا أكره عمي» .

فهناك زمن مخصّص للراحة والاستجمام، يباح ويتاح لك فيه أن تمزح وأن تتفكّه، وأنّ تلاطف أصدقاءك وإخوانك، وتلهو مع رفاقك. فللواجبات وقتها، وللهزل واللهو الحلال وقته، على أن لا تستولي أوقات اللهو على ساعات الجدّ، فما خلقنا الله لنضيِّع أوقاتنا هراء وعبثًا، ولذا قيل: «اعط الكلام من المزح بقدر ما يعطى الطعام من الملح» .

وقد يبدو للبعض أنّ اللهو ـ حتى الحلال منه ـ لا فائدة فيه، لكن الأمور لا تقاس بنتائجها المادية أو الخارجية فقط، فالترويح عن النفس، والتسلية والمفاكهة مع الإخوان والأحبّة مدعاة لخوض لشوط آخر من العمل بنشاط أكبر، ولزيادة الألفة والمحبّة، ولرفع ما علق بالنفس من متاعب وهموم. ونحن لا نتفق مع مَن يقول إنّ الحياة كلّها جدّ صارم ولا فسحة فيها للهو بريء.

فمجالس اللهو المباح أو البريء لها مردودها النفسيّ والاجتماعي بل والإنتاجيّ أيضًا، مما لا ينبغي التفريط به، فمن تلك المجالس مثلًا: لعب الإخوان والأخوات داخل الأسرة الواحدة، أو لعب أبناء الجيران مع بعضهم البعض، أو لعب أبناء الأقرباء سويّة، أو الزملاء في المدرسة.

ومنها مجالس السمر العائلي، وتبادل الأحاديث الودِّية، أو اشتراك أفراد العائلة ـ كبارًا وصغارًا ـ في لعبة ما، فتلك مجالس تشدّ وتقوِّي الروابط الأسريّة ليس في الرحلات فقط، بل حتى في أوقات الفراغ والعطل والمناسبات.

ومنها مجالس اللعب كاللعب بكرة القدم أو السلّة أو الطائرة، أو ألعاب الكمبيوتر المختلفة، أو الشطرنج أو ما شابه ذلك.

إنّ الشرط الأساس في مجالس اللهو البريء هو أن لا تتضمّن أيّ محرّم، فلا تتحول إلى مجالس فحش وبذاءة، أو نزاع وصراع وبغضاء، أو إلى حالة قمارية، وإن لا تشغلك عن واجباتك الدينية كالصلاة وغيرها، ولا عن واجباتك الدنيوية كالدراسة والعمل وأداء التكاليف.

واما المجالس الجادّة:

1 ـ مجالس طلب العلم:

وتشمل أي مجلس يزيد في عقلك وتجربتك وإيمانك وأخلاقك، أي إنّك تخرج منه وقد شعرت إنّ شيئًا ما قد أُضيف إلى عقلك وروحك وسلوكك.

إنّ مجالس طلب العلم هي من أحب المجالس إلى الله حتى إنّه عزّ وجلّ يرسل ملائكته لتجالس المشتركين في تلك المجالس وتحفّ بهم حتى ينصرفوا.

2 ـ مجالس المساجد:

وهي المجالس التي يجتمع فيها أبناء المحلّة في صلاة جماعة أو جمعة أو عيد أو في مناسبة سعيدة أو حزينة، أو في ليالي شهر رمضان وليالي القدر منها بوجه خاص. أو مجالس تلاوة القرآن، أو حلقات العلم التي مرّ ذكرها.

يقول الإمام علي (عليه السلام) : «مَن اختلف إلى المسجد أصاب إحدى ثمان:

أ ـ (أخًا مستفادًا في الله) : فاتخاذ الأخ الصالح في الله له تأثير كبير على شخصيتك، وله أثره في نموّ روحك الإيمانية وتصاعدها وتحصينها.

ب ـ (أو علمًا مستطرفًا) : أي إنّك قد تتعلّم شيئًا جديدًا لم تكن تعلمه من قبل سواء كان درسًا في القرآن أو الفقه أو العقيدة أو الأخلاق.

ج ـ (أو آية محكمة) : من آيات الله البِّينات، التي تتعرّف على تفسيرها، وعلى تطبيقاتها الحياتية، وعلى أبعادها التربوية والاجتماعية.

د ـ (أو يسمع كلمة تدل على هدى) : ترشدك إلى الطريق الصحيح، فتصحِّح لك مفهومًا خاطئًا، أو تصورًا منحرفًا، أو رأيًا مغلوطًا، أو فكرة باطلة، فتستنير بنور الهدى والوعي والبصيرة والسداد.

هـ ـ (أو رحمة منتظرة) : فمن المؤكّد الثابت، إنّك إذا جلست مجلسًا يذكر فيه الله، أو يطلب فيه العلم النافع، أو تتذاكر فيه مع إخوانك مسؤولياتكم الإسلامية، وما تستطيعون تقديمه من خدمة لجيرانكم وإخوانكم والمحيطين بكم، فإنّ رحمة الله ستشملكم جميعًا.

و ـ (أو كلمة تردّه عن ردى) : فقد تفعل موعظة، أو حكمة، أو كلمة طيِّبة، فعلها في نفسك ـ وأنت تعيش أجواء الجلسة المسجدية الروحانية ـ فتوقفك عن ارتكاب معصية، أو عن تكرار خطأ، أو عن أفكار شيطانية.

ز ـ (أو يترك ذنبًا خشية أو رجاء) : خشية من عقاب الله، ورجاء لثوابه.

ومجالس المساجد ـ في العادة ـ مجالس ذكر وتوبة واستغفار وتقرّب إلى الله سبحانه وتعالى، وللأسف فإنّ بعض الشباب لم يجرّب أن يتذّوق حلاوة ارتياد المسجد ليتعرّف على الفوائد المذكورة.

وفي الدعاء: «ما لي كلّما قلتُ قد صلحت سريرتي، وقرب من مجالس التوابين مجلسي عرضت لي بليّة أزالت قدمي وحالت بيني وبين خدمتك سيِّدي» .

3 ـ المجالس الأسبوعية:

والتي غالبًا ما تعقد أو تلتئم في عطلة نهاية الأسبوع، كما في أيام الجمع. وإن كانت المجالس الأسبوعية لا تقتصر على هذا اليوم بالذات، ففي أي يوم من أيام الأسبوع تلتقي جماعة من الشبان، أو الفتيات بموعد ثابت لتذاكر أمر ما. أو تدرس قضية ما، أو لطلب العلم، أو لمعرفة الأحكام الإسلامية، أو لتعلّم القرآن، أو للاستماع إلى النتاجات الأدبية لكلّ منهم، أو للتفكير بمشروع عمل تنطلق به الجماعة لخدمة أعضائها أو خدمة آخرين أو لأمر لمعروف ونهي عن منكر

4 ـ مجالس العمل الجماعي:

إنّ المنتديات الثقافية والتربوية الأمينة، والمراكز أو المنظمات الشبابية والطلاّبية الصالحة التي تستهدف بناء شخصيات الشبان أو الفتيات من خلال تشكيل فرق العمل والقيام بفعاليات جماعية إن على صعيد التمثيل، أو حلقات المناقشة (الندوات) أو الفرق الرياضية، والفنية المختلفة، لها أكثر من مردود نفسي واجتماعي وثقافي، فهي تطرد عنك الأخيلة الفاسدة، والأفكار المنحرفة، وتعوّدك على أن تعمل مع الجماعة و «يد الله مع الجماعة» كما تربِّي لديك روح الالتزام والتعهد وأداء التكاليف بروح مسؤولة.

فهذه المجالس أو المراكز أو الملتقيات ـ إذا روعي فيها الأدب والخلق القويم، والمنهج السليم، هي معابد ومساجد ومعاهد.

فكلّ مكان تبني فيه شخصيتك الإسلامية والإجتماعية والعملية والعلمية هو معبد .. في المعنى الواسع للمعبد، وهو مسجد، لأنّ المسجد في الاسلام ليس فقط للصلاة وقراءة القرآن، وإنّما جمع بين العبادة والعلم والعمل. وبالتالي فهو معهد لإعدادك لتكون أكثر قدرة على الإبداع والعطاء والتفاعل.

5 ـ المجالس العائلية:

وتحديدًا تلك المجالس التي تجتمع فيها مع أسرتك للتداول في أمر عائلي يخصّك أو يخصّ أي فرد آخر فيها، أو يهمّ الجميع، وهو الذي نطلق عليه بـ (مجلس شورى الأسرة) .

فأيّما عضو في الأسرة صغيرًا كان أو كبيرًا معنيّ بشؤونها، وله حقّ إبداء الرأي فيما يصلحها ويطوّر من معيشتها، أو أسلوب حياتها، ذلك إن أي قرار يُتخذ في الأسرة سوف ينعكس على كلّ أفرادها، وبالتالي فإنّ المجلس العائلي الذي تتم فيه مناقشة مشروع عمل، أو زواج، أو انتقال إلى بيت آخر، أو منطقة أخرى، أو القيام بسفرة عائلية، هو مجلس جاد وهادف وصالح وعباديّ، لأنّه ـ علاوة على ما يوطّده من العلاقات بين أعضاء الأسرة ـ ينمِّي موهبة التفكير، والمشاركة في الرأي، وتبادل وجهات النظر، واستكمال أو تنضيج الأفكار المطروحة، بما يجعل من الفكرة النهائية فكرة كل العائلة وليست فكرة القيِّم عليها فقط، وهذا يعني أيضًا أن يتحمّل الجميع المسؤولية في النتائج المترتبة على القرار المشترك.

والمجالس العائلية لا تعقد فقط لمناقشة موضوع أو علاج مشكلة فقط، بل للاحتفال بعيد ميلاد أحد أعضائها، أو نجاحه في دراسته أو مشروع عمله، أو في تكريم الأحفاد للأجداد، وما أكثر ما يمكن للعائلة أن تقترحه من عناوين لتعمر مجالسها بالألفة والأنس والرحمة.

6 ـ مجالس المؤمنين:

وأيّما مجلس تجتمع فيه ثلّة مؤمنة معروفة بصلاحها وتقواها وعملها وأدبها، فذلك مجلسك الذي لا ينبغي أن يشغر أو يفرغ منك.

يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إذا رأيتم روضة من رياض الجنّة فارتعوا فيها !! قيل: يا رسول الله وما روضة الجنّة؟ قال: «مجالس المؤمنين» !

ولو طرحنا سؤالًا لاحقًا: وما هي مواصفات هذه المجالس؟

فإنّنا نحصل على جواب ذلك من سؤال الحواريين لعيسى (عليه السلام) إذ قالوا له: لمن نجالس؟

فقال:مَن يذكِّركم الله رؤيته، ويرغِّبكم في الآخرة عمله، ويزيد في منطقكم عمله.

البلاغ

ــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت